فهرس الكتاب
أو التزامًا وكناية، وهو: أن يذكر بعض لوازم المستعار للتنبيه عليه من غير تصريح بذكره، كقول أبي ذؤيب:
وإذا المنية أنشْبَتْ أظفارها = ألفيت كل تميمة لا تنفع
[الإكسير في علم التفسير: 149]
ذكر الأظفار وإنشابها ببنيها على أنه استعار لفظ الأسد؛ إذ الأظفار من لوازمه للمنية في ذهنه، وإن لم يصرح به.
وتجريد الاستعارة: مراعاة جانب المستعار له، كقوله تعالى: {فأذاقَها اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ والخَوْفِ} فاللباس هو المستعار منه، ولو راعى جانبه لقال: {فَكَسَوْناها} ولكنه راعى جانب الجوع والخوف، الذي هو المستعار له، والذوق من متعلقاته، كأنه شبه الجوع والخوف بمطعوم مستكره أذاقهم طعمه، وبملبوسٍ عمهم به وشملهم، وهذا أحسن من الاقتصار على أحد الوصفين.
وكذا قول زهير:
لدى أسد شاكي السلاح
ولو راعى جانب المستعار منه لقال: وافي المخالب، أو البراثن، نعم راعى جانبه في قوله:"له لبد أظفاره لم تقلم"، فجمع بين الترشيح والتجريد في بيت واحد.
واعلم أن الاستعارة تقع في الأسماء نحو: رأيت ليوثًا
وفي الصفات نحو: رأيت صمًا عن الخير.
وفي الأفعال نحو: أضاء الحق وأقبل، وانقمع الباطل وأدبر.
ولقائل أن يقول: هذا مجاز في النسبة، لا في نفس الفعل.
وفي الحروف، كإقامة بعضها مقام بعض نحو: {عَيْنًا يشرب بها المقربون} ، أي منها.
{فاسأَلْ بهِ خَبيرًا} أي عنه. {فإنما يَسرناهُ بلسانِك} أي عليه.
[الإكسير في علم التفسير: 150]
والحق أن هذا مجاز، وليس استعارة: إذ لا تشبيه فيه.
السادس: الاستعارة نوعان:
جيد يجب استعماله، وتوخيه ما أمكن.
ورديء يجب اجتنابه ما أمكن.
أما الأول: وهو ما اشتد الامتزاج والتناسب والتشابه فيه بين المستعار له، والمستعار منه. ومنه قوله تعالى: {واشتعلَ الرأس شيبًا} فإن المناسبة بين ابيضاض الرأس بالشيب، واشتعال النار في الحطب شديدة، من جهة سرعة الالتهاب والانتشار شيئًا فشيئًا، وإحالة ما انتشر فيه عن صفته قبل ذلك، وتعذر التلافي، وعظم الألم، وتعقب الجمود والخفوت.
وقوله تعالى: {وآية لهمُ الليلُ نَسلَخ منه النهارَ} فإن انفصال الليل عن النهار، لما كان شيئا ًفشيئًا تدريجيًا، وكانت هوادي الصبح عند طلوعه كالملتحمة بأَعجاز الليل، استعار لذلك لفظ السلخ الدال على تفاصيل المتلاحمين شيئا فشيئا، كما في جلد الحيوان المسلوخ، وهذه استعارة في أعلى المراتب في بابها.
ومما دونها في الطبقة قول أبي تمام: