فهرس الكتاب
ومنها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} إلى قوله: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ} ولم يقل: {فآمنوا بالله ربي} لفائدتين:
إحداهما: دفع التهمة عن نفسه بالعصبة لها.
الثانية: تنبيههم على استحقاقه الاتباع لما اتصف به من الصفات المذكورة من النبوة والأمية التي هي أكبر دليل على صدقه. وأنه لا يستحق الاتباع لذاته، بل لهذه الخصائص التي بمن قامت وجب اتباعه، نحو ما أشرنا إليه في قول القائل"مثلي لا يفعل كذا وكذا"في الفرع الثاني من فروع الإرداف من باب الكناية.
ومنها قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} الآية وفائدة ذلك العدول عن خطابهم إلى حكاية حالهم لغيرهم،
[الإكسير في علم التفسير: 177]
لتعجبهم من فعلهم وكفرهم؛ إذ لو استمر على خطابهم لفاتت تلك الفائدة، إذ الإنسان يحب نفسه، لا ينكر عليها ولا يستعظم منها العظائم، بل من غيره، ودليله في الحديث (( ما بال أحدكم يرى القذاة في عين أخيه، ولا يرى الجذع في عين نفسه ) ).
وفي الشعر:
أرى كل إنسان يرى عيب غيره = ويعمى عن العيب الذي هو فيه
وذكر بن الأثير من ذلك قوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ *وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} معناه: وتقطعتم عطفا على الأول، لكن التفت إلى أسلوب الغيبة كأنه ينعى عليهم كفرهم، وافتراقهم إلى قوم آخرين، وتقبحه عندهم؛ مبالغة في تبكيتهم، ثم توعدهم بالرجوع إليه، وهذا وإن كان محتملًا، إلا أن ظاهر الكلام وسياقه خلافه، وهو أنه تعالى خاطب المؤمنين بأن الأمة واحدة، وأنه الرب المستحق بأن يبقى ويعبد، ثم أخبر المؤمنين عن الكافرين بأنهم تقطعوا أمرهم بينهم وأنهم فرقوا دينهم وكانوا شيعًا. وعدلوا بالعبادة والتقوى عن مستحقها، ووضعوها في غير حقها، وفعلوا من التقوى خلاف ما يقتضيه اتحاد الأمة، والله أعلم.
الضرب الثاني: المعدل عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر؛ تهاونا بصاحبه، أو تعظيما لشأنه.
[الإكسير في علم التفسير: 178]
مثال الأول: قول هود لقومه: {إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ} ولم يقل"و أشهدكم"قطعا، بعطف المستقبل على مثله المشعر باستواء الشاهدين في الصدق، وعدولا إلى الاستهزاء بهم وتهكمهم، إذ شهادتهم لا تأثير لها، ولا اعتبار بها، كما تقول لعذول"اشهد أني أحبك".
ومثال ثاني: أن يستنيب الحاكم عاصيا عن معصيته، فيقول العاصي:"إني أشهد هؤلاء الناس، واشهد أيها الحاكم، أني لا أعود إلى مثل ما فعلت"فإن ذلك يفيد تفخيم حال الحاكم وزيادة تعظيمه على غيره ممن أشهده، وقريب من هذا قوله تعالى: {فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ} {لا يستنكف المسيح أن يكون عبدًا لله ولا الملائكة المقربون} في دلالة الكلام على أن الثاني أفخم من الأول.