فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 150

الضرب الثالث: في الالتفاتات من خطاب التثنية إلى خطاب الجمع، ثم إلى خطاب الواحد. فمنه قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ} . فعدل عن المثنى وهو"تبوَّءا لقومكما"إلى الجمع بقوله:"واجعلوا"؛ وذلك لأن موسى وهارون هما اللذان يقرران قواعد النبوة: ويحكمان مباني الشريعة فخصهما بذلك، ثم خاطب الجميع باتخاذ البيوت قبلة للعبادة؛ إذ الجميع مأمورون بها عمومًا، ثم قال لموسى وحده:"وبشر المؤمنين"؛ لأنه الرسول الحقيقي الذي إليه البشارة والإنذار والإيراد والإصدار. وهارون وزير في الحقيقة كما صرح به النص.

وقال تعالى: {إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ} لكون كل منهما منعوتًا في الرسالة لكن أحدهما للتبليغ، والآخر رِدْءٌ، ومصدق، ومساعد له.

[الإكسير في علم التفسير: 179]

ومنه قوله تعالى حاكيا عن حبيب النجار: {وَمَا لِي لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فعدل عن خطاب الواحد إلى الجمع؛ لأنه أبرز لهم كلامه في معرض المناصحة لهم، كأنه قال: إني أحب لكم ما أحب لنفسي، فاتبعوني، وكما أعبد الذي فطرني، فاعبدوا أنتم الذي فطركم، وإليه ترجعون، وتضمن كلامه أيضا تذكيرهم النعمة في إنشائهم وخلقهم، واستدعاء شكرها بالعبادة، وتحذيرهم نقمة الكفر عند الرجوع إلى عالم الغيب والشهادة، والله أعلم.

الصنف الثاني في الالتفات عن الماضي إلى المضارع، وعكسه.

أما الأول: فموضعه ما إذا كان بعض أحوال القضية الخبرية مشتملا على نوع تميز وخصوصية؛ لاستغراب أو أهمية، فيعدل فيها إلى المضارع المستعمل للحال؛ إيهامًا للسامع حضورها حال الإخبار ومشاهدتها؛ ليكون أبلغ في تحققها له، فمن ذلك قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً} فعدل عن لفظ"فأصبحت"إلى لفظ"فتصبح". لما ذكرنا من قصد المبالغة في تحقيق اخضرار الأرض لأهميته؛ إذ هو المقصود بالإنزال، وهو سبب، فوزانه من الكلام"أنعم عليّ فلان عام كذا، فأروح وأغدو شاكرا له"ورفع"فتصبح". وإن وقع في جواب الاستفهام لآن ما في خبره وهو الري ليس سببًا للإصباح وإنما ينصب ما في جواب الاستفهام، إذا كان ما في خبره سببا له.

ومنه قوله تعالى: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} فقال:"تثير"مضارعًا، وما قبله وما بعده ماضيًا،

[الإكسير في علم التفسير: 180]

مبالغة في تحقيق إثارة الرياح السحاب للسامعين، وتقرير تصوره في أذهانهم.

فإن قلت: أهم الأفعال المذكورة إحياء الأرض، وقد ذكره بلفظ الماضي، وما قررتموه يقتضي أولوية ذكره بلفظ المضارع، إذ هو أهم، وإثارة السحاب سبب بعيد على مرتبتين.

قلت: لا نسلم أهمية إحياء الأرض، بل إثارة السحاب أهم؛ وذلك لأن الله تعالى ذكر هذا الكلام في معرض آيات قدرته؛ ليدل على اقتداره على البعث والنشور بالقياس على إحياء الأرض بعد موتها، بالمقدمات المذكورة، وأهمها وأدلها على القدرة أعجبها، وأبعدها عن القدرة والتصور البشريين، وإثارة السحاب أعجبها، فكانت أولى بالتحقيق بالتخصيص بالفعل المضارع. وإنما قلنا إن إثارة السحاب أعجب؛ لأن سببها أخفى من حيث إنا نعلم بالفعل أن نزول الماء سبب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت