فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 150

اخضرار الأرض، وإثارة السحاب وسوقه سبب نزول الماء، أما إثارة السحاب، فلو خلينا وظاهر العقل، لم نعلم أن الرياح سببها؛ لعدم إحساسنا مادة السحاب وجهته، ولطافة الريح عن إدراك الحس، وإنما نبهنا على سبب ذلك بهذا النص وأشباهه، لأن ما قرره الفلاسفة والطبيعيون في ذلك، فإنه إنما أفاد وهما أو ظنا، لا علما، والله أعلم.

ومنه قول تأبط شرًا:

بأنّي قد لقيتُ الغول تهوى = بسهْب كالصحيفة صَحْصحان

فأضربُها بلا دَهَش فخرّت = صريعًا لليدين وللجران

لم يقل: فضربها، بل قال: فأضربها؛ تقريرا في أذهان قومه الذين أخبرهم حاله

[الإكسير في علم التفسير: 181]

معها، وشجاعته، وعدم خوفه عند لقائها. حتى كأنهم يشاهدون ذلك ولو قال: فضربتها، لزال ذلك المعنى.

وكذلك حكاية سلمة بن الأكوع عن نفسه مع صاحب الجمل الذي كان عيْنًا للمشركين حيث قال:"فأضربه فيذرّ رأسه".

وأما الثاني: فموضعه ما إذا كان مدلول الفعل من الأمور الهائلة المهدد المتوعد بها، فيعدل فيه إلى لفظ الماضي تقريرًا وتحقيقًا، لوقوعه في المستقبل، بإيهام وقوعه في الماضي والفراغ منه، كقوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ} ، أي: فيفزع. {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا} و {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوه} ، أي: يبرزون، ويأتي. {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ} ، أي: نحشرهم، فعبر عن هذه الأشياء بالماضي، تنبيهًا على تحقق وقوعها، كشيء مضى وفرغ منه، مبالغة في التهديد والوعيد.

وقد يفعل ذلك فيما يقصد تسهيله على النفس وتحريضها عليه، كقوله عليه السلام في حديث المضريين المجتابي الثمار يعرض للناس بأن يتصدقوا عليهم، (( تصدّق رجل مِن صاع بُرّه، ومن صاع تمره ) ).

وفي بعض آثار السترة في الصلاة: صلى رجل في إزار ورداء وسراويل، فقال: تصدق وصلى، بلفظ الماضي تسهيلا عليهم.

ومن لواحق ذلك؛ العدول عن المستقبل إلى اسم المفعول؛ لتضمنه معنى الماضي، نحو: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ} تقريرا للجميع فيه وثبوته.

[الإكسير في علم التفسير: 182]

فإن قلت الماضي أدل على هذا المقصود من اسم المفعول، فلم عدل عنه إلى ما دلالته أضعف؟

قلت: لتحصيل المناسبة بين مجموع ومشهود في استواء بنائهما، طلبًا للتعديل في العبارة، ولولا هذا المعارض؛ لكان الإتيان بلفظ"جمع الناس"فيه أولى في حكم هذه الصياغة، والله أعلم بالصواب.

الصنف الثالث في عكس الظاهر، وهو إرادة خلاف ظاهر الكلام، كقول عليّ رضي الله عنه في صفة مجلس النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تُنْثى فلتاته"إذ ظاهره أنه كانت له فلتات، لكنها لا تنثى، أي لا تذاع، وليس المراد ذلك بل المراد: أنه لم يكن له فلتات فتذاع.

وكذا قول الشاعر في وصف بريّة يصفها بالصعوبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت