فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 150

و لا ترى بها الضبّ ينجحرْ

ظاهره أن بها ضبّا، لكنه لا ينجحر، أي: لا يدخل سربه، والمراد: أن ليس بها ضب ينجحر، ومثل هذا يعرف بالقرائن المحققة للكلام، كقرينة وصف علي رضي الله عنه لمجلس النبي صلى الله عليه وسلم بالنزاهة من العيوب، ووصف الشاعر البرية بكونها مقطعة لا حيوان فيها، فإنهما تنافيان إثبات الفلتات، والضب، فتعين الحمل على عكس الظاهر:

وحقيقة هذا أنه تأويل لدليل، وأنه من قبيل"السالبة البسيطية"التي أحد محتملها: انتفاء محمولها؛ لانتفاء موضوعها، نحو:"زيد ليس بكاتب"إذ سلبت الكتابة عنه يحتمل أنه لأميّته مع وجود ذاته، ويحتمل أنه لعدمه أصلا، إذ يصدق على المعدوم أنه ليس بكاتب، ولا متصف بشيء، لانتفاء ما تقوم به الصفات، لا يقال هذا

[الإكسير في علم التفسير: 183]

وصف له بانتفاء الصفات عنه، لأنّا نقول: هذا وصف سلبي لا يفقر إلى محل، إذ هو عبارة عن نفي محض.

الصنف الرابع: في الحمل على المعنى، لما بينا من قبل من أنه المقصود الأهم بالذات، ولهذا لما حملت العرب الكلام على المعنى طردت ذلك، ولم تكد تراجع اللفظ؛ لحصول المقصود به بدونه، كقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّه} الآية، إلى أن قال: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ} فحمله على المعنى، كأنه قال مثل قومك في كفرهم كمثل الذي حاج إبراهيم في كفره، أو كالذي مرَّ على قرية في تردده واستبعاده إحياء الله الموتى، ولو تابع اللفظ لقال: ألم تر إلى الذي مر على قرية، أو"وإلى الذي مرّ".

ومن ذلك تأنيث المذكر، كقول الشاعر:

اتهجر بيتا بالحجاز تلفعت = به الخوف والأعداء من كل جانب

ذهب بالخوف إلى معنى المخافة.

وقول الآخر:

يا أيها الراكب المُزجي مطيّتَه = سائل بني أسد ما هذه الصوت

ذهب إلى معنى الاستغاثة أو الضوضاء أو الجلبة.

[الإكسير في علم التفسير: 184]

وقال جرير:

لما أتى خبر الزبير تواضعت = سور المدينة والجبال الخشّع

أراد بالسور: وقاية المدينة أو جدرانها.

وقال ابن أبي ربيعة:

فكان مجنّي دون من كنت أتقي = ثلاث شخوص كاعبان ومعصر

ثلاث شخوص كاعبان ومعصر: أي ثلاث أنفس.

وقول الآخر:

طول الليالي أسرعت نقضي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت