فهرس الكتاب
فإن كان الفعل القائم على النكرة ناقصًا كظننت، وكان وأخواتها، وكذا إن وأخواتها، لزم حذف الواو، نحو: ما أظن درهمًا إلا هو كافيك، لأن مثل ذلك يتعلق بشيئين فلا يعترض فيه بالواو، لئلا يشبه المتعلق بشيء واحد.
[الإكسير في علم التفسير: 228]
إلا أصبح، وأمسى، ورأيت، فإن إثبات الواو فيها سهل، لأنهن توام في حال نحو: ما أمسى، أو أصبح أحد إلا وهو قائم.
وإلا ليس، نحو: ليس أحد إلا وهو قائم، لأن الكلام يتوهم تمامه بها، وباسم نكرة، نحو: ليس أحد، وكذلك كان التامة.
وكأن الضابط في هذا: أن ما كان متعلقًا بشيئين لا يجوز اعتراض الواو بينهما، وهذا الذي ذكره حسن، وأنا أتكلم في وجه اختصاص آية الحجر بالواو، وسقوطها في الشعراء، فأقول، لما كان الكتاب المعلوم لإهلاك القرية متقدمًا سابقًا على وجودها، إذ المراد به: إما الأجل المعلوم، أو تعلق علم الله تعالى بإهلاكهم، وكلاهما متقدم، والرسول المنذر لها وجوده مقارن لا سابق، ناسب ذلك اقتران الواو بالآية الأولى: تنبيهًا على سبق الكتاب بإهلاكهم، وسقوطها من الثانية، تنبيهًا على مقارنة الرسول لهم.
فإن قلت: فلم لم يستو الإتيان جميعًا في التنبيه على سبق الكتاب، أو على مقارنة الرسول؟.
قلت: لأن معنى كل واحدة منهما مناسب لما قبلها، فاختصت به تحصيلًا للمناسبة: أما آية الحجر؛ فلأنها بعد قوله تعالى: {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون} ، كأنه قال: (لننتقمن منهم ولنهلكنهم، لكن لهم أجل معلوم سابق في علمنا، فإذا استوفوه أتاهم عذابنا، لأن ما ثبت في علمنا لا يتقدم ولا يتأخر) .
وأما آية الشعراء؛ فلأنها جاءت تعدد ذكر قصص الأمم وإهلاكهم، فكأنه أكد تصريح هذه الآية مضمون القصص، فقال: إنا لم نظلم هؤلاء الذين أهلنكاهم، لأنا لم نهلكهم إلا بعد الإعذار والإنذار، وكذلك دأبنا في جميع القرى، لا نهلك قرية، ولا أهلكناها إلا بعد إنذارها وكفرها واستكبارها.
[الإكسير في علم التفسير: 229]
الضرب الرابع عشر: في حذف ما يخل حذفه بالكلام
وهو: إسقاط بعض حروف اللفظ، فلا يحسن استعماله إلا ضرورة، إذ الضرورة قد أجازت من ذلك ما يخل بالمعنى، كقول لبيد:
درس المنا بمتالع فأبان
أي: المنازل، فأبانين.
وقول علقمة:
كأن إبريقهم ظبي على شرف = مفدم بسبا الكتان ملثوم
وقول أبي داؤد:
يذرين جندل حائر لجنوبها = فكأنما تذكى سنابكها الحبا
أي: الحباحب: وهو قدح النار من حوافر الخيل، ونظائره كثيرة مذكورة في ضرائر الأشعار.
[الإكسير في علم التفسير: 230]