فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 150

وإن تطابقا، فإما أن يكون تطابقهما في جانب الإيجاز، أي: يكون اللفظ والمعنى قصيرين، وهو التقدير، وقد سبقا.

أو في جانب الإطالة، وهو أن يكونا طويلين، وهو الإطناب، فتبين بهذا أن الإطناب ضد الإيجاز من حيث الطول والقصر، وضد التطويل من حيث التطابق والتفاوت، وقد أشار أبو هلال إلى هذا بقوله: (من استعمل الإيجاز في موضع الإطناب، والإطناب في موضع الإيجاز، فقد أخطأ، والإطناب بلاغة، والتطويل عيّ) .

ورد ابن الأثير على أبي هلال رأيه بتساؤلات واعتراضات طويلة ما أظن لها حاصلًا، ولم أر الإطالة بذكرها، وما ذكره من صور الإطناب ليس لديه إلمام بها، إنما هو من قبيل التأكيد، وأحسن ما وصل إليه الإطناب على رأينا ما اشتهر بين العلماء المتأخرين من شروح الكتب المختصرة: كالحاوي للشافعية، والوافي للحنفية، والمحاسن للمالكية، والنهاية الصغرى للحنابلة، وكتب ابن الحاجب في العربية والأصول، فإن هذه الكتب في رتبة الإيجاز، وشروحها في رتبة الإطناب على ما عرفناه به وإن تفاوت الكتب المذكورة وشروحها في الرتبتين، والله أعلم.

[الإكسير في علم التفسير: 235]

النوع السابع: في توكيد الضمير المتصل بالمنفصل

نحو: {اسكن أنت وزوجك الجنة} ، وقمت أنا وزيد.

والنحاة اختلفوا في وجوبه إذا عطف عليه ظاهر من جهة العربية.

فمن أوجبه قال: لأنه بدونه، كالعطف على بعض اللفظ.

ومن أجازه احتج بوقوعه في كلامهم كثيرًا.

أما من جهة الصناعة التي نحن فيها، فالتوكيد أولى؛ لأنه أبلغ، كقوله تعالى: {إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين} ، فتأكيد السحرة ضمير أنفسهم في الإلقاء دون ضمير موسى، حيث لم يقولوا: (وإما أن تلقي أنت) دليل على أنهم أحبوا التقدم في الإلقاء؛ لعلمهم بأنهم يأتون بسحر عظيم تتقرر عظمته في أذهان الحاضرين، فلا يرفعها ما يأتي بعدها على زعمهم، وإنما ابتدؤا بموسى عليه السلام فعرضوا عليه البداءة بالإلقاء على عادة العلماء والصناع في تأدبهم مع قرنائهم، وأهل الفضل عليهم، أو على جهة إظهار القوة والإنصاف.

فإن قلت: لم لم تؤكد في قوله: (إما أن نكون، وإما أن تكون أول من ألقى؟) ، قلت: استغناء عن التأكيد بالتصريح بالأولية.

وكقوله تعالى لموسى عليه السلام: {لا تخف إنك أنت الأعلى} ، فإنه أبلغ في نفي الخوف عنه، وإثبات الاستعلاء عليهم من ستة أوجه:

أحدها: أنه استأنف إخباره بالعلو، ولم يجعله علة لانتفاء الخوف، فيقل: لأنك أنت الأعلى، بل نفى عنه الخوف، وأثبت له الاستعلاء مطلقًا، وهذا يشبه ما ذكره

[الإكسير في علم التفسير: 236]

اللغويون من أن قول المليي: (إن الحمد والنعمة لك) ، إن كسر همزة إن أولى، لأنه أعم لكونه مستأنفًا.

الثاني: إثباته بيان المؤكدة، ولم يجعل الكلام مبتدأ وخبرًا.

الثالث: التوكيد المذكور، ولم يقتصر على أحد الضميرين، فيقل: (إنك الأعلى) ، أو (فأنت الأعلى) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت