فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 150

جنس مصدر، كالجهالة والسفاهة بمعنى الضلال، والجهل، والسفه، وبهذا التقدير لا يكون المثال مطابقًا.

ومثال الثالث: قولنا: مربع عرضه مائة ذراع، لزم أن يكون طوله مثلها أو أكثر، إذ الطول لا ينقص عن العرض، ولو قال: طوله مائة لم يلزم ذلك، لجواز أن يكون العرض أنقص، فالعرض إذن أعم؛ لأنه يكون مساويًا للطول، ودونه، وأكثر منه، والطول أخص؛ لأنه لا يكون إلا مساويًا أو أكثر، ولهذا قال سبحانه: {وجنة عرضها السموات والأرض} ، كأنه قال: هذا عرضها، فما ظنكم بطولها، ولو قال: طولها السموات والأرض، لم يكن فيه مبالغة، لجواز أن يكون عرضها أقل من ذلك.

فإن قلت: فذكره العرض مع جواز مساواة الطول له على ما قررت، غير مفيد، إذ بتقدير التساوي لا يكون بينهما تفاوت، فيكون أحدهما قائمًا مقام الآخر في الذكر، ولا معنى للتخصيص.

قلت: لما كانت المقادير المشاهدة، غالبها طوله أكثر من عرضه، ذكر العرض، لينقاس الغائب على الشاهد، والأصل عدم المساواة، وجوازها لاستلزام وقوعها.

فإن قلت: السموات والأرض على ما تقدر في حكم الهيئة على شكل كري: وهو ما استوى بقدر محيطه ومركزه من جميع جهاته، ومثل ذلك: لا طول له ولا عرض، فكيف يجعل له طولًا وعرضًا يشبه به طول الجنة وعرضها؟.

قلت: الجواب من وجوه:

أحدها: أن كرية السموات والأرض إنما مستندها المقدمات الرصدية والهندسية، وذلك قد يخطئ ويصيب، ألا ترى أن المتكلمين في مذهب المنجمين بالطعن في

[الإكسير في علم التفسير: 241]

مقدمات الرصد، الذي هو مستند عليهم، وحينئذ يجوز أن يكون لهما طول عرض، الله أعلم بهما، {ألا يعلم من خلق} .

الثاني: سلمنا كريتهما، لكن الجواب من وجهين:

أحدهما: أنه جعل لهما عرضًا بالنسبة إلى أوهام العرب، فإنهم كانوا ليعتقدون لهما عرضًا، ولهذا قالوا: لقد ذهبتم فيها عريضة، يعني: الأرض، والقرآن نزل مخاطبًا لهم بما كانوا يعتقدون، كقوله تعالى: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيًا} ، وإن لم يكن في الجنة بكرة ولا عشي.

الثاني: أن المراد: العرض التقديري، لا الحقيقي، ألا ترى أن أهل الهيئة مع اعتقادهم كرية السماء والأرض، فرضوا فيهما خطوطًا متقاطعة قسموهما بها إلى أربعة أقسام جنوبًا، وشمالًا، وشرقًا، وغربًا، وأطلقوا على ذلك اسم العرض والطول.

كل ذلك بالتقدير، وإن لم يعتقدوا لذلك تحققًا.

الثالث: أنه أراد بالعرض: السعة، قال بعض المفسرين: فيكون تقديره: عرض الجنة كسعة السموات والأرض الكريين، ويلزم حينئذٍ أن يكون طول الجنة أكبر من ذلك، كما سبق، والله أعلم.

النوع التاسع: في تفسير المبهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت