فهرس الكتاب
بعد إبهامه، طلبًا لتفخيمه، وإعظامه، لأنه يذهب بالسامع كل مذهب، ثم يأتي التفسير، فيخص بعض المذاهب، وقد استعدت النفس لشوقها إلى معرفة المبهم لسماع التفسير، فيكون أبلغ وأسد موقعًا، ولهذا تقول العامة: (إذا أردت نعمه: قل له ولا تتمه) .
[الإكسير في علم التفسير: 242]
فمنه قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} ، أبهمه، لتتوفر الدواعي على معرفته، ثم فسره بقوله: {صراط الذين أنعمت عليهم} ، وتنبيهًا على أن صراطهم: هو المستقيم.
ومنه قوله تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد} ، أبهمها لذلك، وتفخيمًا لشأنها، ثم فسرها بقوله {من البيت} ، ولم يقل قواعد البيت لذلك.
ومنه قول فرعون لهامان: {ابن لي صرحًا لعلي أبلغ الأسباب} ، فأبهمها تفخيمًا لشأنها في علوها، وتشويقًا لهامان إلى معرفتها، ليكون أجدر بالمسارعة إلى بناء الصرح، ثم فسرها بقوله: {أسباب السموات} .
ومنه قول مؤمن آل فرعون: {يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد} ، فأبهمه لذلك، ثم فسره بتحقير شأن الدنيا، والإعراض عنها، وتعظيم الآخرة والقصد إليها، وختم ذلك بذكر الوعد والوعيد، والثواب والعقاب.
ونظير هذه الأمثلة: أن تقول: هل أدلك على أكرم الناس وأجودهم؟، زيد، وهو أبلغ من قولك: زيد أكرم الناس وأجودهم، ولهذا قال الله عز وجل: {هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} ، ثم فسرها: بالإيمان بالله والجهاد في سبيله.
ووقع مثل ذلك في كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن هذا الباب: تفسير الضمير بذكر من هو له، نحو قولهم: ربه رجلًا، ومنه: {وما تتلو منه من قرآن} .
[الإكسير في علم التفسير: 243]
وبذكر الجملة، وتسمى: ضمير الشأن والقصة، نحو: {إنه أنا الله العزيز الحكيم} ، و {قل هو الله أحد} .
ومنه الاستثناء العددي نحو: {فلبث فيهم ألف سنة} تعظيمًا لشأنه، والأمر الذي صبر عليه، ليكون أبلغ في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم، ثم فسر حقيقة مقدار لبثه بقوله: {إلا خمسين عامًا} ، ولو قال ابتداء: فلبث فيهم تسعمائة وخمسين عامًا، لم يكن كالأول في تحصيل الفائدة المذكورة.
أما الإبهام بدون تفسيرها، فكثير نحو: {إن القرآن يهدي للتي هي أقوم} ، فالتي صفة موصوف محذوف لا تعلم حقيقته أهي الطريقة، أو الحالة، أو الملة، أو الجنة؟، إلا أن المعنى مفهوم من حيث الجملة، إذ معناه: يهدي إلى الخير والرشاد، كما قال في سورة النمل: {وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين} .
النوع العاشر: في التعقيب المصدري
وهو تعقيب بالمصدر، إشارة إلى تعظيم شأنه، أو ذمه وسبابه.
مثال الأول: قوله تعالى: {ويوم ينفخ في الصور} إلى قوله: {صنع الله الذي أتقن كل شيء} ، أشار بذلك إلى تعظيم قدرته التي قدرها على النفخ في الصور، وفزع من في السموات والأرض، وإتيانهم صاغرين، وتسيير الجبال كالسحاب،