قُلْتُ: هُوَ كَمَا قَالُوا. وَلَعَلَّ تَفَرُّدَ سُعَيْرِ بْنِ الْخِمْسِ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْبُخَارِيَّ وَأَبَا حَاتِمٍ يَحْكُمَانِ عَلَى الْحَدِيثِ بِالنَّكَارَةِ، فَإِنَّ سُعَيْرًا وَالأَحْوَصَ مَعَ كَوْنِهِمَا صَدُوقَيْنِ لَيْسَا بِالْمُتْقِنَيْنِ، وَلَمْ يَبْلُغَا مَبْلَغَ مَنْ يُحْتَمَلُ تَفَرُّدُهُ، لا سِيَّمَا عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، وَهُوَ مِنْ حُفَّاظِ الْبَصْرَةِ مِمَّنْ كَثُرَ تَلامِذَتُهُ النَّاقِلِينَ عَنْهُ الضَّابِطِينَ لِحَدِيثِهِ الْمُعْتَنِينَ بِحِفْظِهِ، فَلا يَخْفَى مِثْلُهُ عَلَى الأَثْبَاتِ مِنْ أَصْحَابِهِ كَشُعْبَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَمُعْتَمِرٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَيَحْيَى الْقَطَّانِ وَطَبَقَتِهِمْ، وَيَكُونُ عِنْدَ سُعَيْرِ بْنِ الْخِمْسِ، وَلَيْسَ مِنْ خَوَاصِّ التَّيْمِيِّ، وَلا مِنْ أَثْبَاتِ أَصْحَابِهِ، وَلا مِمَّنْ لَهُمُ اعْتِنَاءُ بِحَدِيثِهِ وَضَبْطٍ لَهُ!. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ أَبِى الْفَضْلِ بْنِ عَمَّارٍ الشَّهِيدِ فِي سُعَيْرِ بْنِ الْخِمْسِ: أَخْطَأَ فِي غَيْرِ مَا حَدِيثٍ مَعَ قِلَّةِ مَا رَوَى، وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ: كَانَ قَلِيلَ الْحَدِيثِ، وَيَرَوْنَ عَنْهُ مَنَاكِيْرَ.
فَتَفَرُّدُ سُعَيْرٍ بِالْحَدِيثِ، مَعَ قِلَّةِ مَا رَوَى عَنِ التَّيْمِيِّ، دُونَ أَثْبَاتِ أَصْحَابِهِ الْحَافِظِينَ لِحَدِيثِهِ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ مِمَّا يُثِيْرُ رِيبَةَ النَّاقِدِ الْبَصِيْرِ بِعِلَلِ الأَحَادِيثِ كَالْبُخَارِيِّ وَأَبِي حَاتِمٍ وَالدَّارَقُطْنِيِّ، وَمَنْ عَلَى طَرِيقِتِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْدِ.
فَالظَّاهِرُ، بَلِ الْمُتَيَقَّنُ: أَنَّ هَذَا الْحَدِيثِ يَنْدَرِجُ تَحْتَ الْوَجْهِ السَّادِسِ مِنْ أَوْجُهِ الْغَرَابَةِ، وَهُوَ: تَفَرُّدُ الصُّدُوقِ عَنْ مَشْهُورٍ مِنَ الثِّقَاتِ بِمَا لا يُوجَدُ عِنْدَ ثِقَاتِ أَصْحَابِهِ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ الصُّدُوقِ اعْتِنَاءُ بِحَدِيثِ ذَاكَ الثِّقَةِ.
سَادِسًا: ذِكْرُ مَنْ حَكَمَ مِنَ الأَئِمَّةِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِالنَّكَارَةِ أَوْ الْوَضْعِ
قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ كَمَا فِي «تَرْتِيبِ عِلَلِ التِّرْمِذِيِّ لأَبِي طَالِبٍ الْقَاضِي» (1/ 315/ح 589) : سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ؟، فَقَالَ: هَذَا مُنْكَرٌ , وَسُعَيْرُ بْنُ الْخِمْسِ كَانَ قَلِيلَ الْحَدِيثِ , وَيَرْوُونَ عَنْهُ مَنَاكِيرَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ «عِلَلُ الْحَدِيثِ» (ج 6/ص 338/ 2570) : سَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ الأَحْوَصُ بْنُ جَوَّابٍ عَنْ سُعَيْرِ بْنِ الْخِمْسِ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. فَسَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: هَذَا حديثٌ مُنكَرٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ.
وَنَقَلَهُ عَنْهُ الضِّيَاءُ «الأَحَادِيثُ الْمُخْتَارَةُ» (ج 4/ص 111 - 112) .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ (ج 5/ص 589/ 2197) : قَالَ أَبِي: هَذَا حَدِيثٌ عِنْدِي مَوْضُوعٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ.
سَابِعًا: الْحُكْمُ عَلَى الْحَدِيثِ
إِسْنَادُ الْبَزَّارِ ظَاهِرُهُ الْحُسْنُ، فَسُعَيْرُ بْنُ الْخِمْسِ، وَالأَحْوَصُ بْنُ جَوَّابٍ صَدُوقَانِ، وَقَدْ وَثَّقَهُمَا بَعْضُ