فكره ، وسأل من الله تعالى توفيقا وتسديدا لإصابة الحق ، وكان جامعا لعلوم الاجتهاد محرزا لها على شروطها المعتبرة التي فصلناها في الكتب الأصولية ، فإنه متى أدى نظره إلى حكم من الأحكام في تحليل أو تحريم أو غيرهما من سائر الأحكام الشرعية العملية . فإن ما هذا حاله يكون حقا وصوابا عند الله تعالى ، والبرهان على ما قلنا يتضح بمسلكين: المسلك الأول منهما: أنا نقول - لمن زعم أن في الواقعة حكما معينا هو مقصود لله ومطلوب -: لو كان الأمر كما زعموه من تعينه لكان لا يخلو الحال فيه إما أن ينصب الله عليه دلالة أو لا ينصب ، والقسمان باطلان ، فيجب القضاء ببطلان كونه معينا . وإنما قلنا: إنه لا يخلو من الوجهين فلأنها قسمة دائرة بين النفي والإثبات ، فلا واسطة بينهما ، ‹ صفحه 12 › وهي من العلوم العقلية التي لا يجوز خلافها فإثبات متوسط باطل بالضرورة . وإنما قلنا: إنه يستحيل أن عليه من الله دلالة منصوبة فلأنها لو نصبها لكانت ظاهرة لكل من قصدها كسائر الأدلة الظاهرة العقلية والنقلية ، والمعلوم باطراد العادة وجريانها أن مثل ذلك لم ينقل ولا له أثر ، وفي هذا دلالة على أنه ما كان ، ولو كان لنقل كما نقل ما هو أخفى منه وأدق ، وإنما قلنا: إنه يستحيل أن لا ينصب الله عليه دلالة فلأنه لو كلف به في عير أن ينصب عليه دلالة لكان تكليفا بما لا يعلم وهو قبيح . فتقرر بما ذكرناه فساد القسمين اللذين فصلناهما ، وهما نصب الأدلة عليها وعدم نصبها ، ويلزم من بطلانهما بطلان أن يكون هناك حكم معين في الحادثة ، وهو المطلوب . المسلك الثاني: أن الصحابة رضي الله عنهم ما زالوا مجتهدين في الحوادث التي ليس عليها دلالة من جهة الكتاب ولا من ظواهر السنة في الفتاوى والأقضية ، والوقائع غضة طرية على ممر الأزمنة وتكرر الأعصار و ما برحوا مختلفين في الفتاوى والأحكام التي يصدرونها عن أنظارهم ، وتفترق بهم المجالس عن المخالفة في الآراء ،