وكل واحد منهم مصوب لما قاله الآخر غير منكر عليه في رأيه واجتهاده ، ولو كان في الواقعة حكم معين لطلبوه ، ولجدوا في طلبه وتحصيله ، وما سمع عن واحد منهم أنه قال لصاحبه: هذا خلاف حكم الله ، وحكم الله شئ آخر غير ما ذهبت إليه ، بل من حكم بقضية وأبرمها ، فلا اعتراض عليه بحال ، ويتشددون في التحرز عن بعض القضايا الصادرة عن الأحكام مع مخالفة الآراء ، بل ‹ صفحه 13 › وربما يصدر من جهتهم التصريح بالتصويب في الآراء ، وفي هذا دلالة قاطعة من إجماعهم على أنه ليس هناك حكم معين هو شوف المجتهد ومقصده ومقصد نظره ، وإنما هي كلها آراء صائبة وظنون صادقة على تحصيل مراد الله في الحادثة ، وهذا المسلك يدريه من مارس طرفا من سير الصحابة رضي الله عنهم وما كان منهم من الفتاوى في التحليل والتحريم ، وإصدار القضايا عن الآراء الصائبة ، فعند ذلك نعلم قطعا ويقينا صحة ما ادعيناه من تصويب الآراء والاجتهادية في جميع الحوادث التي لا نص فيها ، ولنقتصر على هذا القدر من الدلالة ففيه مقنع وكفاية . التقرير الثاني: في بيان المختار في الأشبه من الاجتهاد إعلم أن جماعة من المصوبة زعموا - مع القول بكون الآراء صائبة في الاجتهاد - أن فيها أشبه على معنى أن الله تعالى لو نص على الحادثة لما نص إلا عليه ، وعلى معنى أنه الأجزل ثوابا عند الله تعالى ، وهو محكي عن جماعة من الحنفية منهم: أبو الحسن الكرخي ، ومحمد بن الحسن الشيباني ، ومروي عن الشافعي . والمختار عندنا أنه لا معنى للأشبه ، وأن جميع الآراء في تلك الحادثة كلها أشبه إلى قائله ، وأنها كلها مقصودة لله ، وإنما تقوى وتضعف بحسب قوة الأمارة وضعفها ، وهذا هو رأي أهل التحقيق من المصوبة: أئمة الزيدية ، والجماهير من المعتزلة: أبي علي ، وأبي هاشم ، وأبي الهذيل . ‹ صفحه 14 › وإلى بطلان الأشبه ذهب المحققون من الأشعرية كالباقلاني ، وأبي حامد الغزالي ، وشيخه عبد الملك الجويني ، فأما