فهرس الكتاب
(تَعْرِيفَاتٌ أُخْرَى لِلْحَسَنِ)
قَالَ الشَّيْخُ أبو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ [1] : الْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ ضَعْفٌ قَرِيبٌ مُحْتَمَلٌ, هُوَ الْحَدِيثُ الْحَسَنُ, وَيَصْلُحُ لِلْعَمَلِ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ: وَكُلُّ هَذَا مُسْتَبْهِمٌ لَا يَشْفِي الْغَلِيلَ, وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْخَطَّابِيُّ مَا يَفْصِلُ الْحَسَنَ عَنِ الصَّحِيحِ, وَقَدْ أَمْعَنْتُ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ وَالْبَحْثَ, فَتَنَقَّحَ لِي وَاتَّضَحَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْحَسَنَ قِسْمَانِ:
(أَحَدُهُمَا) : الْحَدِيثُ الَّذِي لَا يَخْلُو رِجَالُ إِسْنَادِهِ مِنْ مَسْتُورٍ لَمْ تَتَحَقَّقْ أَهْلِيَّتُهُ, غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ مُغَفَّلًا كَثِيرَ الْخَطَأِ, وَلَا هُوَ مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ, وَيَكُونُ مَتْنُ الْحَدِيثِ قَدْ رُوِيَ مِثْلُهُ أَوْ نَحْوُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ, فَيَخْرُجُ [2] بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ شَاذًّا أَوْ مُنْكَرًا [3] . ثُمَّ قَالَ: وَكَلَامُ التِّرْمِذِيِّ عَلَى هَذَا الْقِسْمِ يُتَنَزَّلُ.
(قُلْتُ) : لَا يُمْكِنُ تَنْزِيلُهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ واللهُ أَعْلَمُ [4] .
قَالَ: (الْقِسْمُ الثَّانِي) : أَنْ يَكُونَ رَاوِيهِ مِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ وَلَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ رِجَالِ الصَّحِيحِ فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ, وَلَا يُعَدُّ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ مُنْكَرًا, وَلَا يَكُونُ الْمَتْنُ شَاذًّا وَلَا مُعَلَّلًا. قَالَ: وَعَلَى هَذَا يُتَنَزَّلُ كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ, قَالَ: وَالَّذِي ذَكَرْنَاهُ يَجْمَعُ بَيْنَ كَلَامَيْهِمَا.
(1) قال العراقي: في شرحه (أراد المصنف ببعض المتأخرين أبا الفرج بن الجوزي فإنه قال هكذا في كتابيه: الموضوعات، والعلل المتناهية.
قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في الاقتراح: إن هذا ليس مضبوطًا بضابط متميز به القدر المحتمل من غيره. قال: وإذا اضطرب هذا الوصف لم يحصل التعريف المميز للحقيقة.
(2) في الأصل (يخرج) وصححناه من ابن الصلاح.
(3) أوردوا على القسم الأول: المنقطع والمرسل الذي في رجاله مستور ويروى مثله أو نحوه من وجه آخر. وأوردوا على الثاني المرسل الذي اشتهر رواته بما ذكره. ويندفع ذلك باشتراط الاتصال مع ما تقدم. أفاده العراقي في شرحه.
وأفاد بعض العلماء: أن الحسن أعم من الصحيح لا قسيم له. وهو ما كان من الأحاديث الصالحة العمل، فيجامع الصحيح، ولا يباينه. وعلى هذا فلا إشكال في قول الترمذي: حسن صحيح، أو صحيح غريب.
(4) الذي يبدو لي في الجواب عن هذا: أن الترمذي لا يريد بقوله في بيان معنى الحسن (ويروى من غير وجه نحو ذلك) أن نفس الحديث عن الصحابي يروى من طرق أخرى، لأنه لا يكون حينئذ فرضا. وإنما هو لا يكون معناه غرضا: بأن يروى المعنى عن صحابي آخر، أو يعتضد معمومات أحاديث أخر. أو نحو ذلك، مما يخرج به معناه من أن يكون شاذًّا غريبًا فتأمل.