فهرس الكتاب
النَّوْعُ الثَّانِي
الْحَسَنُ:
وَهُوَ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ كَالصَّحِيحِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ
وَهَذَا النَّوْعُ لَمَّا كَانَ وَسَطًا بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ فِي نَظَرِ النَّاظِرِ, لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، عَسُرَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ وَضَبْطُهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ نِسْبِيٌّ, شَيْءٌ يَنْقَدِحُ عَنْدَ الْحَافِظِ, رُبَّمَا تَقْصُرُ عِبَارَتُهُ عَنْهُ.
وَقَدْ تَجَشَّمَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ حَدَّهُ، فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ مَا عُرِفَ مَخْرَجُهُ وَاشْتُهِرَ رِجَالُهُ, قَالَ: وَعَلَيْهِ مَدَارُ أَكْثَرِ الْحَدِيثِ, وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ, وَيَسْتَعْمِلُهُ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ.
(قُلْتُ) : فَإِنْ كَانَ الْمُعَرِّفُ هُوَ قَوْلَهُ"مَا عُرِفَ مَخْرَجُهُ وَاشْتُهِرَ رِجَالُهُ, فَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ كَذَلِكَ, بَلْ وَالضَّعِيفُ وَإِنْ كَانَ بَقِيَّةُ الْكَلَامِ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ, فَلَيْسَ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مُسَلَّمًا لَهُ: أَنَّ أَكْثَرَ الْحَدِيثِ مِنْ قَبِيلِ الْحِسَانِ, وَلَا هُوَ الَّذِي يَقْبَلُهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَيَسْتَعْمِلُهُ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ."
تَعْرِيفُ التِّرْمِذِيِّ لِلْحَدِيثِ الْحَسَنِ
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَرُوِّينَا عَنِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ يُرِيدُ بِالْحَسَنِ: أَنْ لا يَكُونَ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ يُتَّهَمُ بِالْكَذِبِ, وَلَا يَكُونَ حَدِيثًا شَاذًّا, وَيُرْوَى مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ نَحْوِ ذَلِكَ.
وَهَذَا إِذَا كَانَ قَدْ رُوِيَ عَنِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ قَالَهُ, فَفِي أَيِّ كِتَابٍ لَهُ قَالَهُ؟ وَأَيْنَ إِسْنَادُهُ عَنْهُ؟ [1] وَإِنْ كَانَ قَدْ فُهِمَ مِنِ اصْطِلَاحِهِ فِي كِتَابِهِ"الْجَامِعِ"فَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ, فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ, لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
(1) قوله (ففي أي كتاب قاله) الخ، رده العراقي في شرحه (ص 31 - 32) فقال: (وهذا الإنكار عجيب، فإنه في آخر العلل التي في آخر الجامع، وهي داخلة في سماعنا وسماع المنكر لذلك وسماع الناس) .
ثم ذكر اتصالها للناس من طريق عبد الجبار بن محمد الجراجي عن أبي العباس المحبوبي صاحب الترمذي، وأنها لم تقع لكثير من المغاربة الذين اتصلت إليهم رواية المبارك بن عبد الجبار الصيرفي، وليست في روايته، عن أبي يعلى أحمد بن عبد الواحد، وليست في روايته، عن أبي علي السنجي، وليست في روايته، عن أبي العباس المحبوبي صاحب الترمذي. قال: (ثم اتصلت: يعني رواية عبد الجبار بن محمد الجراجي التي فيها العلل) عنه بالسماع إلى زماننا، بمصر والشام وغيرهما من البلاد الإسلامية.
أقول: وكلام الترمذي ثابت في سننه المطبوعة (ج 1 ص 240 طبعة بولاق) ونصه: (وذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن: فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا. كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًّا، ويروى من غير وجه نحو ذلك- فهو عندنا حديث حسن وقال العراقي بعد نقل عبارة الترمذي: فعند الترمذي تفسير الحسن بما ذكره في كتابه الجامع، فلذلك قال أبو الفتح اليعمري في شرح الترمذي: أنه لو قال قائل: إن هذا إنما اصطلح عليه الترمذي في كتابه هذا، ولم يقله اصطلاحا عاما - أكان له ذلك. فعلى هذا لا نقل عن الترمذي حد الحديث الحسن بذلك مطلقا في الاصطلاح العام) .