فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 152

وَقَدْ خَالَفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ, وَقَالَ: لَا يُسْتَفَادُ الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ مِنْ ذَلِكَ.

(قُلْتُ) : وَأَنَا مَعَ ابْنِ الصَّلَاحِ فِيمَا عَوَّلَ عَلَيْهِ وَأَرْشَدَ إِلَيْهِ واللهُ أَعْلَمُ [1] .

"حَاشِيَةٌ"ثُمَّ وَقَفْتُ بَعْدَ هَذَا عَلَى كَلَامٍ لِشَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ ابْنِ تَيْمِيَةَ مَضْمُونُهُ: أَنَّهُ نَقَلَ الْقَطْعَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ عَنْ جَمَاعَاتٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، مِنْهُمُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ, وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَائِينِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ, وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ, وَابْنُ حَامِدٍ, وَأَبُو يَعْلَى بْنُ الْفَرَّاءِ, وَأَبُو الْخَطَّابِ, وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ, وَأَمْثَالُهُمْ مِنَ الْحَنَابِلَةِ, وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: قَالَ:"وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنَ الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ كَأَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَائينِيِّ, وَابْنِ فُورَكٍ، قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَدِيثِ قَاطِبَةً وَمَذْهَبُ السَّلَفِ عَامَّةً".

وَهُوَ مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ اسْتِنْبَاطًا فَوَافَقَ فِيهِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةَ.

(1) اختلفوا في الحديث الصحيح: هل موجب العلم القطعي اليقيني. أو الظن؟ وهي مسألة دقيقة تحتاج إلى تحقيق:

أما الحديث المتواتر لفظا أو معنى فإنه قطعي الثبوت. لا خلاف في هذا بين أهل العلم. وأما غيره من الصحيح فنسب بعضهم إلى أنه لا يفيد القطع، بل هو ظني الثبوت، وهو الذي رجحه النووي في التقريب. وذهب غيرهم إلى أنه يفيد العلم اليقيني. وهو مذهب داود الظاهري، والحسين بن علي الكرابيسي، والحارث بن أسد المحاسبي، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك. وهو الذي اختاره وذهب إليه ابن حزم، قال في الأحكام: (إن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجب العلم والعمل معا) . ثم أطال في الاحتجاج له والرد على مخالفيه، في بحث نفيس ج 1 ص 119 - 127.

واختار ابن الصلاح أن ما أخرجه الشيخان -البخاري ومسلم- في صحيحيهما أو رواه أحدهما: مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به. واستثنى من ذلك أحاديث قليلة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ، كالدارقطني وغيره. وهي معروفة عند أهل هذا الشأن.

هكذا قال في كتابه (علوم الحديث) ونقله مثله العراقي في شرحه على ابن الصلاح عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي وأبي نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف، ونقله البلقيني عن أبي إسحاق وأبي حامد الإسفراييني والقاضي أبي الطيب والشيخ أبي إسحاق الشيرازي من الشافعية. وعن السرخسي من الحنفية، وعن القاضي عبد الوهاب من المالكية، وعن أبي يعلى وأبي الخطاب وابن الزغواني من الحنابلة، وعن أكثر أهل الكلام من الأشعرية. وعن أهل الحديث قاطبة، وهو الذي اختاره الحافظ ابن حجر والمؤلف.

والحق الذي ترجحه الأدلة الصحيحة ما ذهب إليه ابن حزم ومن قال بقوله، من أن الحديث الصحيح يفيد العلم القطعي، سواء أكان في أحد الصحيحين أم في غيرهما، وهذا العلم اليقيني علم نظري برهاني، لا تحصل إلا للعالم المتبحر في الحديث. العارف بأحوال الرواة والعلل. وأكاد أوقن أنه هو مذهب من نقل عنهم البقليني ممن سبق ذكرهم، وأنهم لم يريدوا بقولهم ما أراد ابن الصلاح من تخصيص أحاديث الصحيحين بذلك.

وهذا العلم اليقيني النظري يبدو ظاهرًا لكل من تبحر في علم من العلوم، وتيقنت نفسه بنظرياته. واطمأن قلبه إليها. ودع عنك تفريق المتكلمين في إصلاحاتهم بين العلم والظن، فإنما يريدون بهما معنى آخر غير ما نريد. ومنه زعم الزاعمين أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، إنكارًا لما يشعر به كل واحد من الناس من اليقين بالشيء ثم ازدياد هذا اليقين. (قال: أولم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي) ، وإنما الهدى هدى الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت