فهرس الكتاب
وَحَاصِلُ الْأَمْرِ: أَنَّ مَا عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ فَصَحِيحٌ إِلَى مَنْ عَلَّقَهُ عَنْهُ, ثُمَّ النَّظَرُ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ. وَمَا كَانَ مِنْهَا بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ [1] فَلَا يُسْتَفَادُ مِنْهَا صِحَّةٌ، وَلَا تُنَافِسُهَا أَيْضًا; لِأَنَّهُ وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَهُوَ صَحِيحٌ, وَرُبَّمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَمَا كَانَ مِنَ التَّعْلِيقَاتِ صَحِيحًا فَلَيْسَ مِنْ نَمَطِ الصَّحِيحِ الْمُسْنَدِ فِيهِ, لِأَنَّهُ قَدْ وَسَمَ كِتَابَهُ (بِالْجَامِعِ الْمُسْنَدِ الصَّحِيحِ الْمُخْتَصَرِ فِي أُمُورِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَسُنَنِهِ وَأَيَّامِهِ) .
فَأَمَّا إِذَا قَالَ الْبُخَارِيُّ:"قَالَ لَنَا"، أَوْ"قَالَ لِي فُلَانٌ كَذَا", أَوْ"زَادَنِي"وَنَحْوَ ذَلِكَ, فَهُوَ مُتَّصِلٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ.
وَحَكَى ابْنُ الصَّلَاحِ عَنْ بَعْضِ الْمَغَارِبَةِ أَنَّهُ تَعْلِيقٌ أَيْضًا, يَذْكُرُهُ لِلِاسْتِشْهَادِ لَا لِلِاعْتِمَادِ, وَيَكُونُ قَدْ سَمِعَهُ فِي الْمُذَاكَرَةِ.
وَقَدْ رَدَّهَ ابْنُ الصَّلَاحِ, فَإِنَّ الْحَافِظَ أَبَا جَعْفَرِ بْنَ حَمْدَانَ قَالَ: إِذَا قَالَ الْبُخَارِيُّ:"وَقَالَ لِي فُلَانٌ"فَهُوَ مِمَّا سَمِعَهُ عَرْضًا وَمُنَاوَلَةً.
وَأَنْكَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ عَلَى ابْنِ حَزْمٍ رَدَّهُ حَدِيثَ الْمَلَاهِي [2] حَيْثُ قَالَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ:"وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ"، وَقَالَ: أَخْطَأَ ابْنُ حَزْمٍ مِنْ وُجُوهٍ, فَإِنَّهُ ثَابِتٌ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ.
(قُلْتُ) : وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ, وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، وَخَرَّجَهُ البُرْقَانِيُّ فِي صَحِيحِهِ, وَغَيْرُ وَاحِدٍ, مُسْنَدًا مُتَّصِلًا إِلَى هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ وَشَيْخِهِ أَيْضًا, كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ (الْأَحْكَامِ) , وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
ثُمَّ حَكَى أَنَّ الْأُمَّةَ تَلَقَّتْ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ بِالْقَبُولِ, سِوَى أَحْرُفٍ يَسِيرَةٍ, انْتَقَدَهَا بَعْضُ الْحُفَّاظِ, كَالدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيْرِهِ [3] , ثُمَّ اسْتَنْبَطَ مِنْ ذَلِكَ الْقَطْعَ بِصِحَّةِ مَا فِيهِمَا مِنَ الْأَحَادِيثِ; لِأَنَّ الْأُمَّةَ مَعْصُومَةٌ عَنِ الْخَطَأِ, فَمَا ظَنَّتْ صِحَّتَهُ وَوَجَبَ عَلَيْهَا الْعَمَلُ بِهِ, لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ صَحِيحًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَهَذَا جَيِّدٌ.
(1) صيغة الجزم قال:"وروى، وجاء، وعن"وصيغة التعريض نحو قيل، وروي عن، ويروى، ويذكر ونحوها.
(2) حديث الملاهي: هو حديث عبد الرحمن بن غنم الأشعري عن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري مرفوعًا: ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف. (الحر) ، بكسر الحاء وتخفيف الراء: هو الفرج. والمراد استحلال الزنا. وهذه الرواية الصحيحة في جميع نسخ البخاري وغيره. ورواه بعض الناقلين (الخز) بالخاء والزاي المعجمتين، وهو تصحيف، كما قال الحافظ أبو بكر بن العربي. انظر فتح الباري (ج 10 ص 45 - 49 طبع بولاق) ، وقد أطال في شرح الحديث، وفي الكلام على تعليق البخاري إياه.
(3) الحق الذي لا مرية فيه عند أهل العلم بالحديث من المحققين، وممن اهتدى بهديهم وتبعهم على بصيرة من الأمر-: أن أحاديث الصحيحين صحيحة كلها. ليس في واحد منها مطعن أو ضعف، وإنما انتقد الدارقطني وغيره من الحفاظ بعض الأحاديث على معنى أن ما انتقدوه لم يبلغ في الصحة الدرجة العليا التي ألزمها كل واحد منهما في كتابه. وأما صحة الحديث في نفسه قد يخالف أحد فيها. فلا يهولنك إرجاف المرجفين. وزعم الزاعمين أن في الصحيحين أحاديث غير صحيحة. وتتبع الأحاديث التي تكلموا فيها، وانقدها على القواعد الدقيقة التي سار عليها أئمة أهل العلم، واحكم عن بينة والله الهادي إلى سواء السبيل.