فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 76

ومثال ما نقله ثقة ولا وجه له في العربية قليل لا يكاد يوجد، وجعل بعضهم منه رواية خارجة عن نافع (معائش) بالهمز.

قال: وبقي قسم رابع مردود أيضًا، وهو ما وافق العربية والرسم

[التحبير في علم التفسير: 140]

ولم ينقل البتة، فهذا رده أحق ومنعه أشد ومرتكبه مرتكب لعظيم من الكبائر، وقد ذكر جواز ذلك عن أبي بكر بن مقسم وعقد له بسبب ذلك مجلس وأجمعوا على منعه ومن ثم امتنعت القراءة بالقياس المطلق الذي لا أصل له يرجع إليه، ولا ركن وثيق يعتمد في الأداء عليه، قال: أما ماله أصل كذلك فإنه مما يصار إلى قبول القياس عليه كقياس إدغام: {قال رجلان} على: {قال رب} ونحوه مما لا يخالف نصًا ولا أصلًا ولا يرد إجماعًا مع أنه قليل جدًا.

قلت: قد أتقن الإمام ابن الجزري هذا الفصل جدًا، وقد تحرر لي منه أن روايات القرآن على أنواع:

الأول: المتواتر: وهو ما نقله جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه.

الثاني: الآحاد الذي فقد فيه التواتر، وهو ما صح سنده ووافق العربية والرسم واشتهر عند القراء فلم يعدوه من الغلط ولا من الشذوذ ويُقرأ به على ما قاله ابن الجزري، والشرط الأخير وإن لم يذكره في أول كلامه فقد ذكره في آخر الكلام على الضابط ولا بد منه فيتفطن له.

[التحبير في علم التفسير: 141]

الثالث: الشاذ: وهو ما صح سنده وخالف الرسم والعربية مخالفة تضر أو لم تشتهر عند القراء ولا يُقرأ به.

الرابع: المنكر أو الغريب وهو ما لم يصح سنده.

الخامس: الموضوع: وهو أحط من الذي قبله كالتي جمعها الخزاعي.

وهذا تقسيم حسن يوافق مصطلح الحديث، ولم أسم القسمين الأخيرين بالشاذ تبعًا للمحدثين إذ الشاذ عندهم ما صح سنده وخولف فيه الملأ، فما لم يصح سنده لا يسمى شاذًا بل ضعيفًا أو منكرًا على حسب حاله، والقراء لا يمنعون من إطلاق الشذوذ على ذلك وما صنَعتُه أقرب.

وقد ظهر لي قسم آخر يشبهه من أنواع الحديث المدرج وهو: ما زيد في القراءات على وجه التفسير كقراءة ابن مسعود: (وله أخ أو أخت من أم) .

قال ابن الجزري: وربما كانوا يدخلون التفسير في القراءة إيضاحًا وبيانًا لأنهم محققون لما تلقوه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرآنًا فهم آمنون من الالتباس وربما كان بعضهم يكتبه معه، وأما من يقول: إن بعض الصحابة كان يجيز القراءة بالمعنى فقد كذب. انتهى.

فهذه ستة أنواع وإن كنا ترجمناها أول الباب ثلاثة، حررتها بعد التعب الشديد وإن كان في ألفاظ القراء استعمال أسماء غير الأخير منها. انتهى.

[التحبير في علم التفسير: 142]

تنبيهات:

الأول: قال ابن الحاجب: السبع متواترة فيما ليس من قبيل الأداء كالمد والإمالة وتخفيف الهمزة، قال ابن الجزري: وقد وهم في ذلك، بل حال اللفظ والأداء واحد، وإذا ثبت تواتر ذلك كان تواتر هذا من باب أولى، إذ اللفظ لا يقوم إلا به ولا يصح إلا بوجوده ونص على تواتر ذلك كله القاضي أبو بكر الباقلاني وغيره، قال: ولا نعلم أحدًا تقدم ابن الحاجب إلى ذلك، وتقدم في كلام البلقيني أن أصل الإمالة والمد ونحوهما متواتر لا كيفيته، فهو يصلح أن يكون موافقًا لابن الحاجب وأن يكون متوسطًا بينه وبين إطلاق الجمهور.

الثاني: الذي نقطع به وتقوم عليه الحجج والدلائل والبراهين ولا ينبغي لآدمي أن يمتري فيه: أن البسملة متواترة أول كل سورة نقلها الجمع البالغون حد التواتر عن مثلهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بل الأحاديث الواردة بقراءتها أول الفاتحة وأول كل سورة في الصلاة وخارجها بلغت عندي مبلغ التواتر، فقد رواه عن النبي - صلى الله

[التحبير في علم التفسير: 143]

عليه وسلم - أنس في حديث نزول الكوثر وعمر، وعثمان، وعلي، وأبو هريرة، وابن عباس، وعمار بن ياسر، وجابر بن عبد الله، والنعمان بن بشير، والحكم بن عمير، وسمرة بن جندب، وأبي بن كعب، وبريدة، وخالد بن ثور، وبشير أو بشر بن معاوية، وحسين بن عرفطة، وعائشة، وأم سلمة، وأم هانئ، وجماعة آخرون، وقد أفردت أحاديثهم في جزء.

الثالث: وقع لنا سورتان ترددتُ في كونهما من الشاذ أو المنسوخ، روى البيهقي من طريق سفيان الثوري عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير أن عمر بن الخطاب: قنت بعد الركوع وفيه فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار ملحق.

[التحبير في علم التفسير: 144]

قال ابن جريج في حكمة البسملة: إنهما سورتان في مصحف بعض الصحابة، وروى محمد بن نصر عن أبي بن كعب أنه كان يقنت بالسورتين فذكرهما. وروى الطبراني في الدعاء من طريق عباد بن يعقوب الأسدي عن يحيى بن يعلى الأسلمي عن ابن لهيعة عن ابن هبيرة عن عبد الله بن رزين العايقي قال: قال لي عبد الملك بن مروان: لقد علمتُ ما حملك على حب أبي تراب إلا أنك أعرابي جاف، فقلت: والله لقد جمعتُ القرآن من قبل أن يجتمع أبواك فلقد علمني منه علي بن أبي طالب سورتين علمهما إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما علِمتهما أنت ولا أبوك فذكرهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت