فهرس الكتاب
ثم قام الناس في هذا العصر وبعده بالتأليف في أنواعها جامعًا ومفردًا وموجزًا ومسهبًا، وأئمة المقرئين لا يحصون، وقد صنف طبقاتهم حافظ الإسلام أبو عبد الله الذهبي، ثم حافظ القراء: أبو الخير ابن الجزري ولا مزيد على كتابيهما، والله سبحانه أعلم.
[التحبير في علم التفسير: 155]
النوع السابع والعشرون: كيفية التحمل
هذا النوع من زيادتي، وهو نوع مهم، وأوجه التحمل عند المحدثين ثمانية: السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه والسماع عليه.
فأما غير الأولين فلا يأتي هنا كما ستعلم مما نذكره، وأما القراءة على الشيخ فهي المستعملة سلفًا وخلفًا، وأما السماع من لفظ الشيخ فقد كنت أقول به هنا لأن الصحابة - رضي الله عنهم - إنما أخذوا القرآن من في رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن لم يأخذ به أحد من القراء وهو ظاهر من جهة أن المقصود هنا كيفية الأداء، وليس كل من سمع من لفظ الشيخ يقدر على الأداء بهيئته بخلاف الحديث، فإن المقصود المعنى أو اللفظ لا بالهيئات المعتبرة في أداء القرآن، وأما
[التحبير في علم التفسير: 156]
الصحابة فكانت فصاحتهم وطباعهم السليمة تقتضي قدرتهم على الأداء كما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم.
ويحكى أن الشيخ شمس الدين ابن الجزري لما قدم القاهرة وازدحمت عليه الخلق لم يتسع وقته لقراءة الجميع، فكان يقرأ عليهم الآية ثم يعيدونها عليه دفعة واحدة، فلم يكتف بقراءته.
وتجوز القراءة على الشيخ ولو كان غيره يقرأ عليه في تلك الحالة إذا كان بحيث لا يخفى عليه حالهم، وقد كان الشيخ علم الدين السخاوي يقرأ عليه اثنان وثلاثة في أماكن مختلفة ويرد على كل منهم، وكذا لو كان الشيخ مشتغلًا بشغل آخر كنسخ ومطالعة، وأما القراءة من الحفظ فالظاهر أنها ليست بشرط بل يكفي ولو من المصحف.
وأما كيفيات القراءة فثلاث:
أحدها: التحقيق وهو: إعطاء كل حرف حقه من إشباع المد وتحقيق الهمز، وإتمام الحركات واعتماد الإظهار والتشديدات وبيان الحروف وتفكيكها وإخراج بعضها من بعض مع الترسل والتؤدة بلا
[التحبير في علم التفسير: 157]
قصر ولا اختلاس ولا إسكان متحرك ولا إدغامه، ويستحب الأخذ به على المتعلمين من غير مجاوزة إلى حد الإفراط بتوليد الحروف من الحركات وتكرير الراءات وتحريك السواكن والفصل بين حروف الكلمة كما يقف كثير من الجهال على التاء من (نستعين) وقفة لطيفة مدعيًا أنه يرتل.
الثانية: الحدر بفتح الحاء وسكون الدال وهو: إدراج القراءة وسرعتها وتخفيفها بالقصر والتسكين والاختلاس والبدل والإدغام الكبير وتخفيف الهمزة بالقصر والتسكين، ونحو ذلك مما صحت به الرواية بدون بتر حروف المد واختلاس أكثر الحركات والتفريط إلى غاية لا يصح بها القراءة ولا توصف بها التلاوة، وهذا النوع مذهب ابن كثير وأبي جعفر، ومن قصر المنفصل كأبي عمرو ويعقوب.
الثالثة: التدوير: وهو التوسط بين المقامين وهو المختار عند أكثر أهل الأداء - واختلف في الأفضل هل الترتيل وقلة القراءة أو السرعة وكثرتها؟
ومعظم السلف والخلف على الأول، وتوسط بعضهم فقال: ثواب الكثرة أكثر عددًا، وثواب الترسل أقل قدرًا.
[التحبير في علم التفسير: 158]
وأما كيفية الأخذ بإفراد القراءات وجمعها:
فالذي كان عليه السلف أخذ كل ختمة برواية لا يجمعون رواية على غيرها إلى أثناء المائة الخامسة، فظهر جمع القراءات في الختمة الواحدة واستقر عليه العمل ولم يكونوا يسمحون به إلا لمن أفرد القراءات وأتقن طرقها وقرأ لكل قارئ بختمة على حدة، بل إذا كان للشيخ راويان قرأوا لكل راوٍ بختمة، ثم يجمعون له وهكذا، وتساهل قوم فسمحوا أن يقرأ لكل قارئ من السبعة بختمة سوى نافع وحمزة، فإنهم كانوا يأخذون بختمة لقالون، ثم بختمة لورش، ثم بختمة لخلف، ثم بختمة لخلاد، ولا
[التحبير في علم التفسير: 159]
يسمح أحد بالجمع إلا بعد ذلك، نعم إذا رأوا شخصًا أفرد وجمع على شيخ معتبر وأجيز وتأهل وأراد أن يجمع القراءات في ختمة لا يكلفونه الإفراد لعلمهم بوصوله إلى حد المعرفة والإتقان.
ثم لهم في الجمع مذهبان:
الجمع بالحرف: بأن يشرع في القراءة، فإذا مر بكلمة فيها خلف أعادها بمفردها حتى يستوفي ما فيها، ثم يقف عليها إن صلحت للوقف، وإلا وصلها بآخر وجه حتى ينتهي إلى الوقف، وإن كان الخلف يتعلق بكلمتين كالمد المنفصل، وقف على الثانية واستوعب الخلاف وانتقل إلى ما بعدها وهذا مذهب المصريين وهو أوثق في الاستيفاء وأخف على الأخذ لكنه يخرج عن رونق القراءة وحسن التلاوة.
الثاني: الجمع بالوقف: بأن يشرع بقراءة من قدمه حتى ينتهي إلى وقف، ثم يعود إلى القارئ الذي بعده إلى ذلك الوقف ثم يعود، وهكذا حتى يفرغ.
وهذا مذهب الشاميين وهو أشد استحضارًا وأشد استظهارًا وأطول زمانًا وأجود مكانًا، وكان بعضهم يجمع بالآية على هذا الرسم