فهرس الكتاب
[التحبير في علم التفسير: 160]
وأما ترتيب القراءات فليس بشرط ولكن يستحب أن يبدأ بما بدأ به المؤلفون في كتبهم فيبدأ بالقصر، ثم بالمرتبة التي فوقه وهكذا إلى آخر مراتب المد - ويبدأ بالمشبع، ثم بما دونه إلى القصر، وإنما يسلك ذلك مع شيخ بارع عظيم الاستحضار، أما غيره فيسلك به طريق واحد، وإذا انتقل القارئ إلى قراءة قبل إتمام ما قبلها لم يدعه الشيخ بل يشير إليه بيده، فإن لم يتفطن قال: لم تصل فإن لم يتفطن سكت حتى يتذكره، فإن عجز قال له.
وأما القراءة بالتلفيق وخلط قراءة بأخرى فأجازها أكثر القراء ومنعها
[التحبير في علم التفسير: 161]
قوم، وقال ابن الصلاح والنووي: ينبغي أن يداوم على قراءة واحدة حتى ينقضي ارتباط الكلام فإذا انقضى فله الانتقال إلى قراءة أخرى، والأولى المداومة على تلك القراءة في ذلك المجلس قال ابن الجزري: والصواب التفصيل. فإن كانت إحدى القراءتين مترتبة على الأخرى منع ذلك منع تحريم كمن يقرأ: (فتلقى آدم من ربه كلمات) بضمهما أو نصبهما، آخذًا رفع (آدم) من قراءة غير ابن كثير، ورفع (كلمات) من قراءته ونحو ذلك مما لا يجوز في العربية واللغة، وما لم يكن كذلك فرِّق فيه بين مقام الرواية وغيرها، فإن كان على سبيل الرواية حرم أيضًا لأنه كذِبٌ في الرواية وتخليط، وإن كان على سبيل القراءة والتلاوة جاز.
وأما القراءات والروايات والطرق والأوجه وسيأتي في النوع الآتي بيانها فليس للقارئ أن يدع منها شيئًا أو يخل به فإنه خلل في إكمال الرواية إلا الأوجه فإنها على سبيل التخيير، فأي وجه أتى به أجزأه في تلك الرواية.
وأما قدر ما يقرأ حال الأخذ فقد كان الصدر الأول لا يزيدون على عشر آيات لكائن من كان، وأما من بعدهم فرأوه بحسب قوة الأخذ قال ابن الجزري: والذي استقر عليه العمل: الأخذ في الإفراد بجزء من
[التحبير في علم التفسير: 162]
أجزاء مائة وعشرين، وفي الجمع بجزء من أجزاء مائتين وأربعين.
ولم يحد له آخرون حدًا، وهو اختيار السخاوي، وقد لخصت هذا النوع ورتبت فيه متفرقات كلام أئمة القراءات وهو نوع مهم يحتاج إليه القارئ كاحتياج المحدث إلى مثله من علم الحديث.
مسألة:
ادعى ابن خير الإجماع على أنه ليس لأحد أن ينقل حديثًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لم يكن له به رواية ولو بالإجازة فهل يكون حكم القرآن كذلك فليس لأحد أن ينقل آية أو يقرأها ما لم يقرأها على شيخ؟ لم أر في ذلك نقلًا ولذلك وجه من حيث إن الاحتياط في أداء ألفاظ القرآن أشد منه في ألفاظ الحديث ولقدم اشتراطه أيضًا وجه من حيث ذلك في الحديث إنما هو لخوف أن يدخل في الحديث ما ليس منه أو يتقول على النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله، والقرآن محفوظ متلقى متداول ميسر ولا يخلو هذا المحل من نظر وتأمل، ولا يشفى فيه إلا نقل معتمد.
[التحبير في علم التفسير: 163]
النوع الثامن والعشرون: العالي والنازل
هذا النوع من زيادتي وهو أيضًا مهم فإن علو الإسناد سنة وقربة إلى الله تعالى، وقد قسمه أهل الحديث إلى خمسة أقسام تأتي هنا.
الأول: القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث العدد بإسناد نظيف غير ضعيف وهو أفضل أنواع العلو وأجلها، وأعلى ما يقع للشيوخ في هذا الزمان إسناد رجاله أربعةَ عشر رجلًا، وإنما يقع ذلك من قراءة ابن عامر من رواية ابن ذكوان، ثم خمسة عشر، وإنما يقع ذلك من قراءة عاصم من رواية حفص وقراءة يعقوب من رواية رويس.
[التحبير في علم التفسير: 164]
الثاني: من أقسام العلو عند المحدثين: القرب إلى إمام من أئمة الحديث كالأعمش، وهشام، وابن جريج، والأوزاعي، ومالك، ونظيره هنا: القرب إلى إمام من الأئمة السبعة، فأعلى ما يقع اليوم للشيوخ بالإسناد المتصل بالتلاوة إلى نافع: اثنا عشر وإلى ابن عامر: اثنا عشر.
الثالث: عند المحدثين: العلو بالنسبة إلى رواية أحد الكتب الستة بأن يروي حديثًا لو رواه من طريق كتاب من الستة وقع أنزل مما لو رواه من غير طريقها، ونظيره هنا العلو بالنسبة إلى بعض الكتب المشهورة في القراءات كالتيسير والشاطبية.
ويقع في هذا النوع: الموافقات والإبدال، والمساواة، والمصافحات فالموافقة: أن يجتمع طريقه مع أحد أصحاب الكتب في
[التحبير في علم التفسير: 165]
شيخه، وقد يكون مع علو على ما لو رواه من طريقه أو لا يكون، مثاله في هذا الفن: قراءة ابن كثير رواية البزي طريق ابن بنان عن أبي ربيعة عنه يرويها ابن الجزري من كتاب المفتاح لأبي منصور محمد بن عبد الملك بن خيرون ومن كتاب المصباح لأبي الكرم الشهرزوري، وقرأ بها كل من المذكورتين على عبد السيد بن عتاب فروايته لها من أحد الطريقين تسمى موافقة للآخر باصطلاح أهل الحديث.
والبدل: أن يجتمع معه في شيخ شيخه فصاعدًا، وقد يكون أيضًا بعلو وقد لا يكون. مثاله هنا: قراءة أبي عمرو رواية الدوري طريق ابن مجاهد عن أبي الزعراء