فهرس الكتاب
الناس ... الآية ـ فيها أبلغ الإطناب لكونها وردت مع المنكرين وحدانية الله تعالى الطالبين على ذلك دليلًا. انتهى.
[التحبير في علم التفسير: 270]
النوع التاسع والستون: الأشباه
هذا النوع من زيادتي والمراد به: الآيات المتشابهة، وحكمة تكرارها ونُكتته: ما في إحدى المتشابهتين مما ليس في الأخرى من تقديم أو تأخير أو زيادة، وقد صنف في ذلك جماعة تصانيف منها: البرهان في متشابه القرآن لمحمود بن حمزة الكرماني، ومن أمثلته: الرحمن الرحيم في الفاتحة ـ كرره بعد ذكره في البسملة تأكيدًا لرحمته تعالى ـ ولأنه ذكره أولًا مع غير المنعم عليهم بالرحمة فأعاده معهم وهم العالمون ـ وأشار بالرحمن إلى أنه رحمن لجميعهم في الدنيا، وبالرحيم إلى أنه خاص بالمؤمنين يوم الدين، ومنها قوله تعالى في البقرة:
[التحبير في علم التفسير: 271]
{اهبطوا منها} مكررًا في موضعين، لأن المراد بالأول: الهبوط من الجنة. والثاني من السماء.
ومنها قوله: (يذبحون) بغير واو، وكذا في الأعراف (يُقتلون) وفي إبراهيم بالواو ـ لأن الأولين من كلام الله فلا يراد تعداد المحن عليهم ـ والثالث من كلام موسى لهم فعددها عليهم وكان مأمورًا بذلك في قوله: (وذكرهم بأيام الله)
ومنها قوله فيها: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين .... } وقال في الحج: {والصابئين والنصارى} وفي المائدة: {والصابئون والنصارى} لأن النصارى تُقدم على الصابئين في الرتبة لأنهم أهل كتاب فقدمهم في البقرة، والصابئين تُقدم في الزمان لأنهم كانوا قبلهم فقدمهم في الحج، وراعى في المائدة المعنيين فقدمهم في اللفظ وأخرهم في التقدير لأن التقدير: (والصابئون كذلك) .
[التحبير في علم التفسير: 272]
ومنها قوله فيها: {اجعل هذا بلدًا آمنًا} وفي إبراهيم: {هذا البلد آمنًا} لأن الأول إشارة إلى غير بلدٍ وهو الوادي قبل بناء الكعبةـ والثاني: إشارة إليه بعد بنائها.
ومنها قوله: {إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا ... } وليس فيه من بعد ذلك وهو في غيرها ـ لأن هُنا {من بعد ما بيناه} فأغنى عن إعادته.
ومنها في بعض المسبحات: سبح ـ وفي بعضها يُسبح ـ وهي كلمة استأثر الله بها فأتى بها على جميع وجوهها ـ فذكر المصدر في أول الإسراء والماضي والمضارع في المسبحات، والأمر في الأعلى.
ومنها تكرار (شر) أربع مرات في الفلق لأن كل شر من الأربعة المضاف إليه غير شر الآخر والله تعالى أعلم.
[التحبير في علم التفسير: 273]
النوع السبعون والحادي والسبعون: الفصل والوصل
الفصل: ترك عطف الجمل، والوصل: عطفها ـ فالأول: يكون لفقدان التغاير ويسمى كمال الاتصال ـ ككون الثانية تأكيدًا للأولى كقوله تعالى: {لا ريب فيه} فإنه لما بولغ في وصفه ببلوغه الدرجة القصوى في الكمال بجعل المبتدأ (ذلك) وتعريف الخبر باللام ـ جاز أن يتوهم السامع قبل التأمل أنه مما يرمى به جُزافًا تبع نفيًا لذلك، وكقوله: {هدى للمتقين} فإن معناه: أنه في الهداية بالغ درجة لا يدرك كُنهها حتى كأنه هداية محضة فهو معنى: {ذلك الكتاب} إذ معناه: الكتاب الكامل ـ والمراد كماله في الهداية.
[التحبير في علم التفسير: 274]
أو بدلًا منها لعدم توفيتها بالمراد نحو: {أمدكم بما تعلمون * أمدكم بأنعام وبنين * وجنات وعيون} فإن المراد التنبيه على نعم الله والثاني أوفى لدلالته عليها بالتفصيل من غير إحالة على علم المخاطبين المعاندين.
أو بيانًا نحو: {فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدُلك .... } الآية. ويكون لفقد الجامع المشترك بين الجمل نحو: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ... } فُصل لكون ما قبله حديثًا عن القرآن وصفاته وهذا حديث عن الكفار وصفاتهم.
ولاختلاف الجملتين خبرًا وإنشاءً، وجوز النحاة العطف في مثل ذلك كقوله تعالى: {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ... } في سورة البقرة ويُسمى هذا القسم والذي قبله عند أهل المعاني: كمال الانقطاع.
ومن المقتضي للفصل: ألا يُقصد إعطاء الثانية حُكم الأولى نحو:
[التحبير في علم التفسير: 275]
{وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون * الله يستهزئ بهم ... } لم يعطف: {الله يستهزئ بهم} على: {إنا معكم} لأنه ليس من مقولهم ـ ولا على: (قالوا) لئلا يُشاركه في الاختصاص بالظرف.
وكذا كونها جوابًا لسؤال اقتضته الأولى ويسمى: استئنافًا بيانيًا نحو: {يُسبح له فيها بالغدو والآصال رجال ... } {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ... } ، {قالوا سلامًا قال سلام ... } أي: فماذا قال؟