وَالحَرْفُ [1] مَا لا يَصْلُحُ مَعَهُ دَلِيلُ الاسمِ وَلا دَلِيلُ الفِعْلِ.
(بابُ الإعْرَابِ)
الإِعْرَابُ هُوَ: تَغْييرُ أَوَاخِرِ الكَلِمِ لاخْتِلافِ العَوَامِلِ الدَّاخِلَةِ عَلَيْهَا لَفْظًا أَوْ تَقْدِيرًا [2] .
(1) يتميَّزُ الحرفُ عن أخويْهِ الاسْمِ والفِعْلِ بأنَّهُ لا يصحُّ دخولُ علامةٍ مِن علاماتِ الأسماءِ المتقدِّمةِ ولا غَيرِهَا عَلَيْهِ، كمَا لا يصحُّ دخولُ علامةٍ مِن علاماتِ الأفعالِ التي سبقَ بيانُهَا ولا غَيرِهَا عَلَيْهِ، ومثلُهُ (مِنْ) و (هَلْ) و (لَمْ) هذِهِ الكلماتُ الثَّلاثُ حروفٌ، لأنَّهَا لا تقْبَلُ (أل) ولا التَّنوينَ، ولا يجوزُ دخولُ حروفِ الخفضِ عليْهَا، فلا يصحُّ أن تقُولَ: المِن، ولا أن تقُولَ: مِنٌ، ولا أن تقُولَ: إلَى مِنْ، وكذلكَ بقيَّةُ الحروفِ، وأيضًا لا يصحُّ أن تدخُلَ عليْهَا السِّينُ، ولا (سَوفَ) ولا تاءُ التَّأنيثِ السَّاكنةُ، ولا (قَدْ) ولا غيرُها ممَّا هُوَ علاماتٌ عَلَى أنَّ الكلِمَةَ فعلٌ.
تَمْرينٌ
1 -ضعْ كلَّ كلِمَةٍ من الكلماتِ الآتيَةِ فِي كلامٍ مُفيدٍ يحسُنُ السُّكوتُ عَلَيْهِ:
النَّخلةُ. الفيلُ. ينامُ. فهم. الحديقةُ. الأرضُ. الماءُ. يأكلُ. الثَّمرةُ. الفاكهةُ. يحصُدُ. يُذاكِرُ.
2 -ضعْ فِي المكانِ الخالِي مِن كلِّ مثالٍ من الأمثْلِةِ الآتيَةِ كلِمَةً يتمُّ بهَا المعْنَى، وبيِّنْ بعْدَ ذلكَ عددَ أجزاءِ كلِّ مثالٍ، ونوعَ كلِّ جزءٍ.
(أ) يحفَظُ .... الدَّرسَ. ... (و) يكثُرُ ... ببلادِ مصرَ.
(ب) ... الأرض. ... (ز) الوالدُ ... عَلَى ابنِهِ.
(ج) يسبحُ ... فِي النَّهرِ. ... (ح) الولدُ المؤدَّبُ ...
(د) تسيرُ ... فِي البحارِ. ... (ط) ... السّمكُ فِي الماءِ.
(هـ) يرتفِعُ ... فِي الجَوِّ. ... (ي) ... على الزَّهْرِ.
3 -بيِّن الأفعالَ الماضيَةَ، والأفعالَ المضارعِةَ، وأفعالَ الأمْرِ، والأسماءَ، والحروفَ، من العباراتِ الآتيَةِ:
)مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ( ... يحرِصُ العاقِلُ عَلَى رِضَا رَبِّهِ ... احْرُثْ لدُنْياكَ كأنَّكَ تعيشُ أبدًا ... يَسعَى الفتَى لأمورٍ ليْسَ يُدركُهَا، لَنْ تُدرِكَ المَجْدَ حتَّى تلْعقَ الصَّبرَ ... إنْ تَصدُقْ تَسُدْ ...(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) .
(2) الْإِعْرابُ لهُ معنيانِ: أحدُهُمَا لُغوِيٌّ، والآخرُ اصْطِلاحِيٌّ. أمَّا معنَاهُ فِي اللُّغَةِ فهُوَ: الإظهارُ والإبانَةُ، تقُولُ: (أَعْرَبْتُ عَمَّا فِي نَفْسِي) ، إذَا أَبَنْتَهُ وَأَظْهَرْتَهُ. وأمَّا معنَاهُ فِي الاصْطِلاحِ فهُوَ مَا ذكرَهُ المُؤلِّفُ بقولِهِ: (تغْيِيرُ أَواخِرِ الكَلِمِ - إلخ) .
والمقصودُ مِن (تغْييرِ أواخرِ الكَلِمِ) تغْيِيرُ أحوالِ أواخرِ الكَلِمِ، ولا يعقلُ أن يُرادَ تغييرُ نفسِ الأواخرِ، فإنَّ آخِرَ الكلِمَةِ نفسَهُ لا يتغيَّرُ، وتغييرُ أحوالِ أواخِرِ الكلِمَةِ عبارةٌ عن تَحوُّلِهَا من الرَّفعِ إلَى النَّصْبِ أو الجَرِّ: حقيقةً، أوْ حُكمًا، ويكونُ هذَا التَّحوُّلُ بسببِ تغييرِ العواملِ: مِن عامِلٍ يقتضِي الرَّفعَ عَلَى الفاعليَّةِ أوْ نَحْوِهَا، إلَى آخَرَ يقتضِي النَّصْبَ عَلَى المفعوليَّةِ أوْ نحوِها، وَهَلُمَّ جرًّا.
مثلًا إذَا قلْتَ: (حَضَرَ مُحَمَّدٌ) فمُحمَّدٌ: مرفوعٌ؛ لأنَّهُ مَعمُولٌ لعاملٍ يقتضِي الرَّفعَ عَلَى الفاعِليَّةِ، وهذَا العَامِلُ هُوَ (حَضَرَ) ، فإنْ قلْتَ: رَأَيْتُ محمَّدًا. تغيَّرَ حالُ آخِرِ (مُحَمَّد) إلَى النَّصبِ؛ لتغيُّرِ العاملِ بعاملٍ آخرَ يقتضِي النَّصْبَ، وهُوَ (رأيْتُ) ، فإذَا قلْتَ (حَظِيتُ بِمُحَمَّدٍ) تغيَّرَ حالُ آخرِهِ إلَى الجَرِّ؛ لتغيُّرِ العَامِلِ بعَامِلٍ آخَرَ يقتضِي الجرَّ وهُوَ الباءُ. وإذَا تأمَّلْتَ فِي هذِهِ الأمثْلِةِ ظهرَ لكَ أن آخِرَ الكلِمَةِ - وهُوَ الدَّالُ مِن محمَّدٍ- لَمْ يتغيَّرْ، وأنَّ الذي تغيَّرَ هُوَ أحوالُ آخرِهَا: فإنَّكَ تراهُ مرفوعًا فِي المثالِ الأوَّلِ، ومنصوبًا فِي المِثالِ الثَّانِي، ومجرورًا فِي المِثالِ الثَّالثِ.
وهذَا التَّغييرُ مِن حالةِ الرَّفعِ إلَى حالةِ النَّصْبِ إلَى حالةِ الجرِّ، هُوَ الإعرابُ عنْدَ المُؤلِّفِ ومَنْ ذهبَ مذْهبَهُ، وهذِهِ الحركاتُ الثَّلاثُ - التي هِيَ: الرَّفعُ، والنَّصْبُ، وَالْجَرُّ- هِيَ علامةٌ وأَمَارةٌ عَلَى الإعْرَابِ.
ومثلُ الاسْمِ فِي ذلكَ الفِعْلُ المُضَارِعُ، فلوْ قلْتَ: (يُسَافِرُ إِبْرَاهِيمُ) فيسافرُ: فعلٌ مُضَارِعٌ مرفوعٌ؛ لتَجَرُّدِهِ مِن عَامِلٍ يقتضِي نصبَهُ أوْ عَامِلٍ يقتضِي جزمَهُ، فإذَا قلْتَ: (لَنْ يُسَافِرَ إِبْرَاهِيمُ) تغيَّر حالُ (يُسافر) من الرَّفعِ إلَى النَّصبِ، لتغيُّرِ العَامِلِ بعَامِلٍ آخرَ يقتضِي نصبَهُ، هُوَ (لَنْ) ، فإذَا قلْتَ: (لَمْ يُسَافِرْ إِبْرَاهِيمُ) تغيَّرَ حالُ (يسافر) من الرَّفعِ أو النَّصْبِ إلَى الجزمِ، لتغيُّرِ العَامِلِ بعَامِلٍ آخرَ يقتضِي جزمَهُ، وهُوَ (لَمْ) .
واعلَمْ أنَّ هذَا التَّغيُّرَ ينقسمُ إلَى قسمينِ: لفظْيٍّ، وتقديريٍّ.
فأمَّا اللفظيُّ فهُوَ: مَا لا يمنعُ من النُّطقِ بهِ مانعٌ، كمَا رأيتَ فِي حركاتِ الدَّالِ مِن (محمَّد) وحركاتِ الرَّاءِ مِن (يُسافر) .
وأمَّا التّقديريُّ فهُوَ: مَا يمنعُ من التَّلفُّظِ بهِ مانعٌ مِن تعذُّرٍ، أو استثْقَالٍ، أوْ مُناسبةٍ؛ تقُولُ: (يَدْعُو الفَتَى وَالقَاضِي وَغُلاَمِي) فيدعو: مرفوعٌ لتَجرُّدِهِ من النَّاصبِ والجَازمِ، والفتى: مرفُوعٌ لكوْنِهِ فاعلًا، والقاضِي وغُلامِي: مرفوعانِ لأنَّهمَا معطوفانِ عَلَى الفاعِلِ المرفُوعِ، ولكنَّ الضَّمَّةَ لا تظهرُ فِي أواخرِ هذِهِ الكلماتِ، لتعذُّرِهَا فِي (الفتَى) وَثِقَلِهَا فِي (يدعُو) وفِي (القاضِي) ولأجْلِ مناسبةِ ياءِ المُتكلِّمِ فِي (غُلامِي) ؛ فتكونُ الضَّمَّةُ مقدرةً عَلَى آخرِ الكلِمَةِ، منَعَ مِن ظهُورِهَا التَّعذُّرُ، أو الثِّقَلُ، أو اشْتغالُ المَحلِّ بحركةِ المُنَاسبةِ.
وتقُولُ: (لَنْ يَرْضَى الفَتَى وَالقَاضِي وَغُلاَمِي) وتقُولُ: (إِنَّ الفَتَى وَغُلامِي لَفَائِزَانِ) . وتقُولُ: (مَرَرْتُ بِالفَتَى وَغُلامِي وَالقَاضِي) .
فمَا كانَ آخرُه ألفًا لازمةً تُقدَّرُ عَلَيْهِ جميعُ الحركاتِ لِلتَّعذُّرِ، ويُسمَّى الاسْمُ المُنتهِي بالألفِ مقَصُورًا، مثلُ الفَتَى، والعَصَا، والحِجَا، والرَّحَى، والرِّضَا. ومَا كانَ آخرُهُ ياءً لازمةً تُقدَّرُ عَلَيْهِ الضَّمَّةُ والكسرةُ للثِقَلِ، ويُسمَّى الاسْمُ المُنتهِي بالياءِ منقوصًا، وتظهرُ عَلَيْهِ الفتحةُ لِخِفَّتِهَا، نحوُ: القاضِي، والدَّاعِي، والغَازِي، والسَّاعِي، والآتِي، والرَّامِي. ومَا كانَ مُضافًا إلَى ياءِ المُتكلِّمِ تُقَدَّرُ عَلَيْهِ الحركاتُ كلُّهَا للمُناسبةِ نحوُ: غُلامِي، وكِتابِي، وصَديقِي، وأبِي، وأُستاذِي. ويقابلُ الإعرابَ البناءُ، ويتَّضِحُ كلُّ واحدٍ منهمَا تمامَ الاتِّضاحِ بسببِ بيانِ الآخرِ. وقدْ تركَ المُؤلِّفُ بيانَ البناءِ، ونحنُ نُبَيِّنُهُ لكَ عَلَى الطَّريقةِ التي بَيَّنا بهَا الإعْرَابَ، فنقولُ:
للبِناءِ مَعنيانِ: أحدُهُمَا لغويٌّ، والآخرُ اصطِلَاحِيٌّ: فأمَّا معنَاهُ فِي اللُّغَةِ، فهُوَ: عبارةٌ عن وضعْ شيءٍ عَلَى شيءٍ عَلَى جهةٍ يُرادُ بهَا الثُّبوتُ وَاللُّزومُ. وأمَّا معنَاهُ فِي الاصْطِلاحِ، فهُوَ: لزومُ آخِرِ الكلِمَةِ حالةً واحدةً لِغَيرِ عَامِلٍ ولا اعْتِلالٍ، وذلكَ كلزومِ (كَمْ) و (مِنْ) السّكونَ، وكلُزومِ (هُؤلاءِ) و (حَذَامِ) و (أَمْسِ) الكَسْرَ، وكلُزومِ (مُنذُ) و (حيثُ) الضَّمَّ، وكلُزومِ (أيْنَ) و (كَيْفَ) الفتْحَ.
ومنْ هذَا الإيضاحِ تَعلَمُ أنَّ أَلْقَابَ البِناءِ أربعةٌ: السُّكونُ، والكسرُ، والضَّمُّ، والفتحُ.
وبعْدَ بيانِ كلِّ هذِهِ الأشْيَاءِ لا تَعْسُرُ عليكَ معرفةُ المُعْربِ والمَبْنِيِّ، فإنَّ المُعرَبَ: مَا تغيَّرَ حالُ آخرِهِ لفظًا أوْ تقديرًا بسببِ العوامِلِ، والمبنِيُّ: مَا لَزِمَ آخرُهُ حالةً واحدةً لغيرِ عَامِلٍ ولا اعْتِلالٍ.
تَمْرينٌ
بيِّن المُعْربَ بأنْواعِهِ، وَالمَبْنِيَّ، من الكلماتِ الوَاقِعةِ فِي العباراتِ الآتيَةِ: قالَ أَعْرابِيٌّ: اللَّهُ يُخْلِفُ مَا أتْلَفَ النَّاسُ، والدَّهرُ يُتلِفُ مَا جَمَعُوا، وكمْ مِن مَيْتَةٍ عِلَّّتُهَا طلَبُ الحَيَاةِ، وَحَيَاةٍ سبَبُهَا التَّعرُّضُ للمَوْتِ.
سألَ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ عمْرَو بنَ مَعْدِ يْكَرِبَ عن الحربِ، فقالَ لهُ: هِيَ مُرَّةُ المَذَاقِ، إذَا قَلَصَتْ عن سَاقٍ، مَنْ صَبَرَ فِيهَا عُرِفَ، ومَنْ ضَعُفَ عنْهَا تَلِفَ ... ) والضُّحَى * واللَّيْلِ إذَا سَجَى * مَا ودَّعَكَ رَبُّكَ ومَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لكَ منَ الأُولَى)
إنَّ العُلَا حَدَّثَتْنِي وهْيَ صَادِقَةٌ ... فيمَا تُحَدِّثُ أنَّ العِزَّ فِي النُّقَلِ
إذَا نَامَ غِرٌّ فِي دُجَى اللَّيلِ فَاسْهَرِ ... وَقُمْ لِلْمَعَالِي وَالْعَوَالِي وَشَمِّرِ
إذَا أَنْتَ لَمْ تُقْصِرْ عَنِ الجَهْلِ وَالْخَنَا ... أَصَبْتَ حَلِيمًا أوْ أَصَابَكَ جَاهِلُ
الصّبرُ عَلَى حُقُوقِ المُرُوءةِ أشدُّ من الصَّبرِ عَلَى ألَمِ الحَاجَةِ، وَذِلَّةُ الفَقْرِ مَانِعَةٌ مِن عِزِّ الصَّبرِ، كمَا أنَّ عِزَّ الغِنَى مانعٌ مِن كَرَمِ الإنْصَافِ.
أسْئِلةٌ
مَا هُوَ الإعْرَابُ؟ مَا هُوَ البِناءُ؟ مَا هُوَ المُعْربُ؟ مَا هُوَ المَبْنِيُّ؟ مَا معْنَى (تَغيُّرِ أواخِرِ الكَلِمِ) ؟ إلَى كَمْ قسْمٍ ينقسمُ التَّغيُّرُ؟ مَا هُوَ التَّغيُّرُ اللَّفْظِيُّ؟ مَا هُوَ التَّغيُّرُ التّقدِيرِيُّ؟ مَا أسبابُ التَّغيُّرِ التّقديريِّ؟ اذْكُرْ سببيْنِ ممَّا يمنعُ النُّطْقَ بِالحرَكةِ.
إِيتِ بِثلاثةِ أمثْلِةٍ لكلامٍ مُفيدٍ، بحيْثُ يكونُ فِي كلِّ مثالٍ اسْمٌ مُعرَبٌ بحركةٍ مُقدَّرةٍ مَنَعَ مِن ظُهُوَرِهَا التَّّعذُّرُ.
إِيتِ بمثاليْنِ لكلامٍ مفيدٍ فِي كلِّ واحدٍ منهمَا اسْمٌ مُعْرَبٌ بحركةٍ مُقدَّرةٍ منع مِن ظُهُورِهَا الثِّقَلُ.
إيتِ بثلاثةِ أمثْلِةٍ لكلامٍ مُفيدٍ فِي كلِّ مثالٍ منْهَا اسْمٌ مبنِيٌّ.
إيتِ بثلاثةِ أمثْلِةٍ لكلامٍ مفيدٍ يكونُ فِي كلِّ مثالٍ منْهَا اسْمٌ مُعرَبٌ بحركةٍ مُقدَّرةٍ منعَ مِن ظهُورها المناسبةُ.