فهذه الجهة التي وصفنا من خطأ الإسناد ومتن الحديث هي أظهر الجهتين خطأً، وعارفوه في النّاس أكثر.
والجهة الأخرى: أنْ يروي نفرٌ من حُفّاظِ النّاس حديثًا عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة بإسنادٍ واحدٍ ومتنٍ واحدٍ، مجتمعون على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمَنْ حدَّثَ عنه النفرُ الذين وصفناهم بعينه فيخالفهم في الإسناد أو يَقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفّاظ، فيُعلم حينئذٍ أنَّ الصحيح من الروايتين ما حدّثَ الجماعة مِنَ الحفّاظ، دون الواحد المنفرد وإنْ كان حافظًا، على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث، مثل شعبة، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من أئمة أهل العلم.
وسنذكر من مذاهبهم وأقوالهم في حفظ الحُفُّّاظ وخطأ المحدثين في الروايات، ما يستدل به على تحقيق ما فسرت لك إنْ شاء الله.
غير أنَّ أوّل ما نبدأ بذكره في هذا المعنى الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تحريضه النّاس على حفظ حديثه وتبليغ من سمعه إلى غيره كما سمعه ودعائه [4/ أ] بالخير لمن فعل ذلك.
1 -حدّثنا محمد بن أبي عمر [1] ، حدّثنا سفيان [2] ، عن عبد الملك بن عمير [3] ، عن عبد الرحمن [4] ، عن أبيه قال، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"نَضَّرَ اللهُ عبدًا سَمِعَ مقالتي"
(1) محمد بن أبي عمر العدني، نزيل مكة: وثقه ابن معين والدارقطني وغيرهما.
(2) سفيان بن عيينة.
(3) عبد الملك بن عمير بن سويد اللخمي، حليف بني عدي، الكوفي الفرسي، نسب إلى فرس، صدوق الحديث.
(4) عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي، الكوفي، ثقة.