بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [1]
البلاغةُ
مقدِّمةٌ في الفصاحةِ والبلاغةِ
(الفصاحةُ) في اللغةِ تُنْبِئُ عن البيانِ والظهورِ [2] ، يُقالُ: أَفْصَحَ الصبيُّ في مَنْطِقِه، إذا بَانَ وظَهَرَ كلامُهُ، وتَقَعُ في الاصطلاحِ وَصْفًا للكلمةِ والكلامِ والمتكلِّمِ [3] .
(1) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أمَّا بعدُ، أحمْدُ اللَّهَ الملْهِمَ بيانَ بديعِ المعاني لأبلَغِ مَن أوْضَحَ مَحَجِّةَ الحقيقةِ والشريعةِ بأَبلَغِ المباني صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وعلى آلِه وصحبِه وكَرَّمَ. فهذه حواشٍ نقيَّةٌ، وتقييداتٌ جَلِيَّةٌ، وَفِيَّةٌ، لما انْبَهَمَ على الطالِبينَ من كتابِ البلاغةِ لنُخبَةِ الأفاضلِ الأزهريِّينَ. ولحسْنِ وقْعِها وافَقَ كمالُ جَمْعِهَا ابتسامَ ثَغْرِ النهضةِ العربيَّةِ، بمُعيدِ شبيبةِ مَجْدِ الدولةِ العربيَّةِ الهاشميَّةِ، صاحبِ الشَّوْكَةِ والجلالِ والعِزِّ الأبديِّ مولانا الملكُ الحسينُ الأوَّلُ بنُ عليٍّ، أَدامَ اللَّهُ سُعودَ أُمَّتِه بتأييدِ دولتِه، ووَفَّقَ أنجالَه وعُمَّالَه ووزراءَه الْمَيامينَ بتشييدِ دعائمِ العلْمِ، وإظهارِ معالمِ الشريعةِ المطهَّرَةِ والدينِ، آمينَ آمينَ اللَّهمَّ آمينَ.
(2) (2) (قولُه: تُنبِئُ عن البيانِ والظهورِ) ، أيْ: تَدُلُّ عليه دَلالةً التزاميَّةً لا مطابِقيَّةً؛ لأنَّ لفظَ الفصاحةِ لم يُوضَعْ للظهورِ حتَّى تكونَ دَلالتُه عليه مطابقيِّةً، ولا تَضَمُّنِيَّةً؛ لأنَّ لفظَ الفصاحةِ لم يُوجَدْ في كُتُبِ اللغةِ أَنَّه موضوعٌ للظهورِ وغيرِه حتَّى تكونَ دَلالتُه عليه تَضمُّنِيَّةً، ثم إنَّ الفصاحةَ نُقِلَتْ عُرفًا إلى وصْفٍ للكلمةِ والكلامِ والمتكلِّمِ، ولا يَخلُو ذلكَ الوصْفُ من ملابَسةِ وضوحٍ وظهورٍ، وإنما لم يَقتَصِرْ هنا على المعنى الاصطلاحيِّ للإشارةِ إلى أنَّ بَيْنَ المعنى اللغويِّ والاصطلاحيِّ مناسَبةً، والمناسَبةُ تَحصُلُ ولو بِحسْبِ المآلِ، وقولُه: والظهورِ، عطْفُ مرادِفٍ.
(3) (3) (قولُه: وصْفًا للكلمةِ والكلامِ والمتكلِّمِ) ، وأمَّا المركَّبُ الناقصُ فلا يَتَّصِفُ بالفصاحةِ في نفسِه كما لا يَتَّصِفُ بالبلاغةِ، واتِّصافُه بالفصاحةِ في قولِهم: مركَّبٌ فصيحٌ، إنما هو باعتبارِ اتِّصافِ مُفرداتِه بها، فلا حاجةَ لإدخالِه في الكلامِ واعتبارِ فصاحتِه فيه حتَّى يُرَدَّ أَنَّه لا يُعهَدُ في الكلامِ إلا الإطلاقُ، اصطلاحًا على المركَّبِ التامِّ، ولغةً على اللفظِ مطْلَقًا. والثاني لا يُناسِبُ مقابلتَه بالكلمةِ فتَعَيَّنَ الأوَّلُ، وأنَّه يَقتضي اتِّصافَ المركَّبِ الناقصِ بالبلاغةِ حقيقةً لقولِ المؤلِّفِ بعدُ، وتَقَعُ في الاصطلاحِ وصْفًا للكلامِ والمتكلِّمِ، وهو باطلٌ؛ إذ لم يُدَوِّنوا عوارضَه التي يُطابِقُ بها مُقتَضَى الحالِ كما دَوَّنوا عوارِضَ المركَّبِ التامِّ، ولا حاجةَ أيضًا لإدخالِه في الكلمةِ واعتبارِ فصاحتِها فيه حتَّى يَرِدَ أنَّ نحوَ أَنَّ: كان قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرٌ، ونحوَ أَنَّ: ضَرَبَ غلامُها هندًا، ونحوَ أَنَّ: تَسكُبُ عينايَ الدموعَ لتَجْمُدا، فصيحٌ. وإن اشتَمَلَ الأوَّلُ على تَنافُرِ الكلماتِ، والثاني على ضَعْفِ التأليفِ، والثالثُ على التعقيدِ؛ نَظَرًا لسلامةِ ذلكَ من تَنافُرِ الحروفِ والغرابةِ ومخالَفةِ القياسِ، وإنه يَلزَمُ صيرورةُ ما ذُكِرَ من المركَّباتِ غيرَ فصيحٍ بضمِّ كلمةٍ فصيحةٍ إليه كقولِكَ في المثالِ الأوَّلِ: رحِمَ، وفي الثاني: أساءَ، وفي الثالثِ: بلَغْتَ الْمُنى؛ لأنَّ كُلاًّ قبلَ الضمِّ من قبيلِ المفرَدِ، ولم يُشْتَرَطْ في فصاحتِه السلامةُ مما ذُكِرَ، وبعدَ الضمِّ من قبيلِ الكلامِ، والسلامةُ مما ذُكِرَ شرطٌ في فصاحتِه، والحالُ أنه لم يَسلَمْ، ولا شكَّ أنَّ صيرورةَ ما هو فصيحٌ غيرَ فصيحٍ بضمِّ كلمةٍ فصيحةٍ إليه بعيدٌ جدًّا، وأبعدُ منه أنَّ نحوَ: زيدٌ الذي ضربَ غلامَه عمْرًا في دارِه، إذا جَعَلَ الذي وصْفًا لزيدٍ كان مركبًّا ناقصًا، فيكونُ فصيحًا لدخولِه في الكلمةِ، وإن جَعَلَ الذي خبرًا عن زيدٍ كان كلامًا، فيكونُ غيرَ فصيحٍ لعدَمِ سلامتِه من ضعْفِ التأليفِ. وقيلَ إن المركَّبَ الناقصَ وإن خَرَجَ عن كلٍّ من الكلمةِ والكلامِ إلا أنَّ حكْمَ فصاحتِه معلومٌ بطريقِ المقايَسَةِ على المركَّبِ التامِّ؛ لأنه معلومٌ قَطْعًا أن القيودَ المعتَبَرةَ في فصاحةِ الكلامِ إنما اعْتُبِرَتْ لاشتمالِه على التركيبِ، ولا دخْلَ للإسنادِ في هذا المعنى. فالطُرُقُ في المركَّبِ الناقصِ أربعةٌ: الأوَّلُ لعبدِ الحكيمِ، والثاني للخلخاليِّ ومن وافَقَهُ، والثالثُ للسعْدِ، والرابعُ لبعضِهم فافْهَمْ.