1 -ففصاحةُ الكلمةِ سلامتُها من تَنافُرِ الحروفِ ومخالَفَةِ القياسِ والغرابةِ، فتَنافُرُ الحروفِ وَصْفٌ في الكلمةِ يُوجِبُ ثِقَلَها على اللسانِ وعُسْرَ النُّطْقِ بها، نَحْوَ الظَّشِّ للموْضِعِ الْخَشِنِ، والْهَعْخَعِ لنباتٍ تَرْعَاه الإبلُ، والنُّقَاخِ للماءِ العذْبِ الصافي، والْمُسْتَشْزَرِ لِلْمَفْتُولِ.
ومخالَفَةُ القياسِ كونُ الكلمةِ [1] غيرَ جاريةٍ على القانونِ الصرفيِّ [2] ، كجمْعِ بُوقٍ على بُوقاتٍ في قولِ المتنبِّي:
فإن يكُ بعضُ الناسِ سيفًا لِدَوْلةٍ * ففي الناسِ بُوقاتٌ لها وطُبولُ
إذ القياسُ في جمعِه للقلَّةِ أبواقٌ. وكمَوْددَةٍ في قولِهِ:
إِنَّ بنيَّ لَلِئامٍ زَهِدَهْ ... * ما لي في صدورِهم مِن مَوْدَدَهْ
والقياسُ مَوَدَّةٌ بالإدغامِ.
والغرابةُ كونُ الكلمةِ غيرَ ظاهِرةِ المعنى [3] ، نحوَ تَكَأْكَأَ بمعنى اجتَمَعَ، وافْرَنْقَعَ بمعنى انصَرَفَ، واطْلَخَمَّ بمعنى اشتَدَّ.
(1) (4) (قولُه: سلامتُها من تَنافُرِ الحروفِ إلخ) ، أي: عدَمِ الاتِّصافِ بكلِّ واحدٍ من الثلاثةِ، فحَيْثُما وُجِدَ واحدٌ من الثلاثةِ في الكلمةِ كانت غيرَ فصيحةٍ.
(2) (5) (قولُه: غيرَ جاريةٍ على القانونِ الصَّرْفيِّ) ، أي: قانونِ مفرَداتِ الألفاظِ الموضوعةِ، بأن تكونَ الكلمةُ على خِلافِ ما ثَبَتَ عن الواضِعِ ولم يُهْجَرْ، سواءٌ كان موافِقًا للقياسِ التصريفيِّ كقامَ ومَدَّ، أو مخالِفًا كماءٍ وآلٍ وعَوَرٍ وقَطَطٍ. وبالجملةِ أنَّ الموافِقَ لما ثَبَتَ عن الواضِعِ ولم يُهْجَرْ فصيحٌ، ولو خالَفَ القياسَ التصريفيَّ، والمخالِفَ لما ثَبَتَ عنه ولم يُهجَرْ غيرُ فصيحٍ، كبُوقاتٍ ومَوْدَدَةٍ، واللَّهُ أعلَمُ.
(3) (6) (قولُه: غيرَ ظاهرةِ المعنى) ، فتَحتاجُ معرفتُها إلى تفتيشٍ عنها في كُتِب اللغةِ المبسوطةِ. وبَقِيَ قِسمٌ ثانٍ، وهو كونُ الكلمةِ غيرَ مألوفةِ الاستعمالِ عندَ العرَبِ العُرَبَاءِ، فتَحتاجُ معرفتُها إلى تخريجٍ لها على معنًى بعيدٍ، نحوُ مُسْرَجٍ في قولِ العجَّاجِ:
* وفاحمًا ومَرْسَنًا مُسْرَجًا * فإنَّهُ لم يُعرَفْ ما أَرادَ بقولِه مسْرَجًا، حتَّى اخْتُلِفَ في تخريجِه، فقيلَ: هو من قولِهم في السيوفِ: سُرَيْجِيَّةٌ، منسوبةٌ إلى قَيْنٍ أيْ حدَّادٍ يقالُ له سُرَيْجٌ، يُريدُ أنه في الدِّقَّةِ والاستواءِ كالسيفِ السُّرَيْجِيِّ، وقيلَ: من السِّرَاجِ، يريدُ أنه في البريقِ واللمعانِ كالسِّراجِ.