الصفحة 86 من 86

(علْمُ البديعِ) [1]

البديعُ علْمٌ [2] يُعرَفُ به وجوهُ تحسينِ الكلامِ المطابِقِ لمقْتَضَى الحالِ [3] . وهذه الوجوهُ ما يرجِعُ [4] منها إلى تحسينِ المعنى يُسَمَّى بالمحسِّناتِ المعنويَّةِ، وما يَرجِعُ منها إلى تحسينِ اللفظِ يُسَمَّي بالمحسِّناتِ اللفظيَّةِ.

(1) (191) (قولُه: علْمُ البديعِ) ، إنَّما سُمِّيَ بذلكَ لأنَّه باحثٌ عن أحوالِ الكلامِ من حيثُ تحسينُه المقتَضِي لغرابتِه في جنسِه. والبديعُ لغةً: الشيءُ الحسَنُ والشيءُ المستغرَبُ.

(2) (قولُه: علْمٌ إلخ) ، أي: مَلَكَةٌ يُستَحْضَرُ بها تلكَ الوُجوهُ المعرَّفَةُ بتلكَ التعارِيفِ عندَ الحاجةِ إليها. قيلَ: ولا يُرادُ به هنا الإدراكُ ولا المسائلُ. أمَّا الأوَّلُ فلأنَّ الإدراكَ هنا عبارةٌ عن تصوُّراتِ تعاريفِ تلكَ الوجوهِ. وتعاريفُ تلكَ الوجوهِ وإنْ كانتْ لا شكَّ في كونِها سببًا في معرفةِ الوجوهِ وتصوُّرِها، لكنَّ الوجهَ أن يكونَ العِلْمُ هو تلكَ الوجوهَ المعرَّفةَ لا تعاريفَها؛ لأنَّ التعاريفَ مبادئُ للمعرَّفاتِ كالأدلَّةِ للمسائلِ، إلَّا أن يُرادَ بالإدراكِ هنا المدرَكاتُ. وأمَّا الثاني؛ فلأنَّ هذا العِلْمَ من قبيلِ التصوُّراتِ كما يُفيدُه قولُ السعْدِ في شرْحِ هذا الحدِّ، أعني علْمٌ يُعرَفُ به وجوهُ تحسينِ الكلامِ، أي يُتَصَوَّرُ به معانيها، ويُعلَمُ بها أعدادُها وتفاصيلُها بقدْرِ الطاقةِ ا. هـ. وذلكَ العلْمُ الذي يُتَصَوَّرُ به تلك الوجوهُ ليستْ إلَّا تعاريفَها وحدودَها، وهي من قبيلِ المعلوماتِ التصوُّريَّةِ. نعمْ يَلوحُ من قولِ السعْدِ: ويُعلَمُ به أعدادُها وتفاصيلُها، أنَّه بعدَ تصوُّرِ الوجوهِ يَبحَثُ عن أحوالِها كعددِها وتفاصيلِها، فيكونُ البديعُ عبارةً عن مجموعِ تصوُّراتٍ وتصديقاتٍ، ولا مانِعَ منهُ مع أنَّه هو المتبادَرُ من سَرْدِهم أنواعَ هذا الفنِّ وتفاصيلِها؛ فإنَّهُم إنَّما يَشرحونَ معاني تلكَ الوجوهِ ويُقَسِّمُونها، وأكثرُهم يَحصُرُها عددًا كما أفادَه عبدُ الحكيمِ. وهذا يَقتضي أنَّه ليس له مسائلُ. نعمْ يُمكِنُ أن يَجْعَلَ مسائلَه الوجوهَ التي يُسألُ عن حقائقِها ويُطلَبُ تَصوُّرُها. وتسميتُها مسائلَ على ضرْبٍ من التسمُّحِ، كتسميةِ الأمرِ الإجماليِّ الذي تَرجِعُ إليه أنواعُ العلْمِ التصوُّرِيِّ موضوعًا.

وقالَ بعضُهم: والأوجَهُ إنَّه متى أمكْنَ حمْلُ هذا العلْمِ على التصديقاتِ، وإجراؤُه على نَسَقٍ غيرِه من العلومِ ولو بالتأويلِ، لا يُعْدَلُ عنه؛ وذلكَ بأنْ يُقالَ في شرْحِ هذا الحدِّ: أي قواعدُ كلِّيَّةٌ يُعرَفُ بها أحوالُ الكلامِ التي تُورِثُه حُسْنًا بعدَ رعايةِ مُطابَقَتهِ لما يَقتضيهِ المقامُ عمَلًا بفنِّ المعاني، وبعدَ رعايةِ وضوحِ دَلالتِه على معناهُ عمَلًا بفنِّ البيانِ، وذلكَ كقولِنا: الكلامُ الذي يُرادُ تحسينُه يَعرِضُ له طِباقُ التضادِّ؛ لأنَّ الذوقَ يَحكُمُ بأنَّه محسِّنٌ للكلامِ. وقولُه تعالى: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ} كلامٌ أُرِيدَ تحسينُه، فلحِقَه الطباقُ بينَ اليقظةِ والنومِ، وكقولِنا: الكلامُ الذي يُرادُ تحسينُه يَعرِضُ له الجِناسُ كذلكَ، وقولُه تعالى: {يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} كلامٌ أُريدَ تحسينُه فجاءَ على وجهِ المجانَسةِ بينَ لفْظَي الساعةِ. هذا هو المتبادَرُ في تصوُّرِ مسائلِ هذا الفنِّ، حيثُ جَعَلوا موضوعَه الكلامَ، وحاصِلُه جعْلُ الكلامِ موضوعًا، وحَمْلُ وجوهِ التحسينِ عليه، ويمكِنُ تَصوُّرُها على وجهٍ آخَرَ كقولِكَ: الطِّباقُ محسِّنٌ للكلامِ بشهادةِ الذوقِ، والوجهُ الذي وَرَدَ عليه قولُه تعالى: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ} من قبيلِ الطباقِ؛ فهو محسِّنٌ له، وكقولِكَ: الجناسُ محسِّنٌ للكلامِ كذلكَ، والوجهُ الذي أتى عليه قولُه تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ} إلخ من الجناسِ؛ فهو محسِّنٌ له، وحاصِلُه جعْلُ وجوهِ التحسينِ مضوعاتٍ للمسائلِ، ويُحمَلُ عليها كونُها محسِّنةً للكلامِ بشهادةِ الذوقِ. وعليه فيكونُ جعْلُ أحوالِ تلك الوجوهِ أحوالًا للكلامِ؛ لأنَّ عارِضَ العارِضِ لشيءٍ عارِضٌ لذلكَ الشيءِ، وجعلُهم موضوعَ كثيرٍ من مسائلِه البحثَ في هذا الفنِّ عن أحوالِ تلك الوجوهِ من حيثُ كونُها معنويَّةً تارةً ولفظيَّةً أخرى، وأنَّ المقصودَ منه معرفةُ ذلكَ، إلَّا أنَّه يَجِبُ تأويلُه بأنَّهم لمَّا رأَوْا تلك الوجوهِ ثابتةً للكلامِ ومحسِّنةً له أمرًا متقرَّرًا لا يَحتاجُ إلى التنبيهِ عليه عدَلُوا عنه إلى وجهٍ يَضبِطُ تلكَ الوجوهَ، فالغرَضُ منه ضبطُها لا إثباتُ كونِها معنويَّةً أو لفظيَّةً؛ وذلكَ لأنَّ المسائلَ التي على هذا الوجهِ لا يَنطبِقُ تعريفُ الفنِّ عليها ولا يشيرُ إليها، وليس المرادُ معرفةَ جميعِ الوجوهِ المحسِّنةِ التي يُمكنُ وجودُها في الكلامِ؛ لأنَّها لا تَزالُ تَتجدَّدُ، ولا تَكادُ تَنحصِرُ، بل المرادُ معرفتُها بقدْرِ الطاقةِ كما مَرَّ عن السعدِ. وكثيرٌ من العلومِ غيرِ هذا العلْمِ وإن شارَكَهُ في تجدُّدِ المسائلِ وعدَمِ انحصارِها إلَّا أنَّ له ضوابطَ تَرْجِعُ إليها مسائلُه الموجودةُ والمتجدِّدةُ. وأمَّا هذا العلْمُ فمسائلُه منتشِرةٌ قلَّ أن تَرْجِعَ مسألةٌ منها إلى الأخرى؛ فلِذَا خُصَّ هذا العلْمُ بالتنبيهِ على ذلكَ، وعلى مِنوالِه علْمُ اللغةِ ا. هـ. بتصرُّفٍ. وعلى كلِّ حالٍ يَخْرُجُ بقولِه: يُعرَفُ به وجوهُ تحسينِ الكلامِ، ما عدا علْمَ البديعِ من العلومِ. والمرادُ بالكلامِ الكلامُ المعهودُ عندَ البُلغاءِ، وهو العربيُّ، فيَخرُجُ به العلْمُ الذي يُعرَفُ به تحسينُ غيرِه.

(3) (193) (قولُه: المطابِقَةُ لمُقتضى الحالِ) ، أي: معَ وضوحِ دَلالتِه على معناهُ عمَلًا بفَنَّي المعاني والبيانِ. قيلَ: وليسَ رعايةُ هذيْنِ الأمريْنِ قيدًا في التعريفِ، بل ذِكْرًا فيه؛ لكونِ رعايتِهما شرطًا للعمَلِ لا للعلْمِ، أي شرطًا في كونِ الوجوهِ محسِّنةً للكلامِ يَترتَّبُ عليها قَبولُه حتَّى تُراعى فيه لا في معرفةِ الوجوهِ. وقيلَ: رعايةُ هذيْنِ الأمريْنِ قيدٌ في التعريفِ، إمَّا لإخراجِ تلك الوجوهِ قبلَ رعايةِ الأمريْنِ؛ لأنَّها لا تُعَدُّ محسِّنةً حينئذٍ، وإنَّما تُعَدُّ محسِّنةً بعدَها، وإمَّا لإخراجِ العلومِ التي تُوجِبُ للكلامِ الحُسْنَ الذاتيَّ بِناءً على أنَّ المرادَ بوجوهِ التحسينِ الأحوالُ التي يَحصُلُ بها تحسينُ الكلامِ سواءٌ كان ذاتيًّا، وهو الداخلُ في البلاغةِ، أو عرَضيًّا وهو التابعُ لها، كونُ الحالِ قد يَقتضِي تحسينَ الكلامِ بتلكَ الوجوهِ، فيكونُ تحسينُه بها ذاتيًّا وداخلًا في البلاغةِ، بدليلِ أنَّه رُبَّما اقْتَضى المقامُ تَرْكَه فيكونُ الإتيانُ به سمِجًا لا يُنافي ذلكَ؛ لأنَّ البحثَ عنه من جهةِ كونِه تحسينًا عرَضِيًّا تابعًا للبلاغةِ من فنِّ البديعِ، ومن جهةِ أنَّه من مُقتضياتِ الحالِ وتحسينًا ذاتيًّا وداخلًا في البلاغةِ من فنِّ المعاني، وإمَّا لإخراجِ علْمِ العَرُوضِ لأنَّ تحسينَه لم يُشترَطْ فيه كونُه بعدَ رعايةِ هذيْنِ الأمريْنِ، فإنْ وَقَعَ كذلكَ فهو اتِّفاقِيٌّ لا لازمٌ، أفادَهُ بعضُ الأفاضِلُ.

(4) (194) (قولُه: وهذه الوجوهُ ما يَرْجِعُ إلخ) ، أي: هذه الوجوهُ التى بها التحسينُ العَرَضِيُّ، أي: الزائدُ على تحسينِ البلاغةِ، قسمانِ: قِسمٌ يَبحثُ عن الوجوهِ المعنويَّةِ، أي التي يَرجِعُ تحسينُها إلى المعنى، وقسمٌ يَبحثُ عن الوجوهِ اللفظيَّةِ، أي التي يَرْجِعُ تحسينُها إلى مُجرَّدِ اللفظِ، وهذا بحسْبِ القصْدِ الأَوْلى، فلا يُنافِي أنَّ المعنويَّ قد يحسِّنَ اللفظَ وبالعكسِ. وعن السيوطيِّ في شرْحِ عُقود الجُمانِ قَسَّمَ جماعةٌ وُجوهِ التحسينِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ، فزادوا ما يَتعلَّقُ باللفظِ والمعنى معًا، كالمطابَقَةِ والمقابَلةِ، والأمْرُ قريبٌ ا. هـ. والبحثُ في ذلكَ كلِّه عن محسِّناتِ الكلامِ، وقد يُبْحَثُ عن محسِّناتِه من حيثُ أخْذُهُ، ولو بالمعنى من كلامٍ آخَرَ، وهي مباحثُ السَّرِقاتِ الشعريَّةِ وما يَتعلَّقُ بها. وقد يُبحَثُ عن تحسينِه من حيثُ ابتداؤُه أو انتهاؤُه أو التخلُّصُ من بعضِه إلى بعضٍ، وما يُفيدُه كلامُ المطَوَّلِ من أنَّ مباحثَ السرِقاتِ الشعريَّةِ وما بعدَها ليستْ من البديعِ، وإنَّما هي من علائقِه وتوابِعه معناهُ أنَّها ليستْ من البديعِ المقصودِ بالذَّاتِ الممكِنِ في كلِّ كلامٍ، فلا يُنافِي صحَّةَ إطلاقِه على ما يَشمَلُها؛ لأنَّها من مكمِّلاتِه، وليسَ لها فنٌّ مُستقِلٌّ؛ ولذلكَ صرَّحَ في المختَصَرِ بأنَّها منه، أفادَه بعضُ الأفاضِلِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت