فهرس الكتاب
أَوَمَا رأَيْتَ المَجْدَ [1] ألْقَى رحْلَه * في آلِ طَلْحَةَ ثمَّ لم يَتحوَّلِ
كنايةً عن كونِهم أمجادًا.
وهناكَ نوعٌ من الكِنايةِ [2] يَعتمِدُ في فَهمِه على السياقِ يُسَمَّى تعريضًا، وهو إمالةُ الكلامِ إلى عُرْضِ أي ناحيةٍ، كقولِكَ لشخصٍ يَضُرُّ الناسَ: خيرُ الناسِ من يَنفَعُهم.
(1) (189) (قولُه: نحوَ: أَوَمَا رأيتَ المجْدَ إلخ) ، مثالٌ لما فيه واسطةٌ واحدةٌ بيِّنةٌ بنفسِها فقلَّتْ فيه الوسائطُ مع الظهورِ؛ وذلكَ لأنَّ إلقاءَ المجدِ رحْلَه على آلِ طلحةَ كنايةٌ عن وجودِ المجدِ في مكانِهم، ووجودُه فيه كنايةٌ عن نِسبةِ المجدِ إليهم، فهو كنايةٌ في النِّسبةِ بالواسطةِ، وفيه استعارةٌ بالكنايةِ تشبيهًا للمجْدِ بالإنسانِ الراحلِ. عبدُ الحكيمِ. قالَ معاويةُ: والكِنايتانِ تَصِحَّانِ بدونِ الاستعارةِ بالكنايةِ، لكنَّ فيها مزيدَ حُسْنٍ؛ فإنَّ الجامعَ فيها من الترحيلِ والترحُّلِ والتنقُّلِ تحقيقًا في المُشبَّهِ به، وادِّعاءً في المُشبَّهِ، منَبِّهٌ على أنَّ المجْدَ جالَ في كلِّ مَجالٍ يَتخيَّرُ جِيادَ الرجالِ حتَّى صَادفَ آلَ طلحةَ فألقَى وأبْقى فيهم رحْلَه وما عليه المُعَوَّلُ، ثمَّ لم يَتحوَّلْ فقَرَّ واستقَرَّ فيهم كلَّ وقتٍ يُوافِيهم يفوتُه حقُّه ويُوافيهم ا. هـ. ومثالُ ما لا واسطةَ فيه أصلًا مع الظهورِ قولُكَ: زيدٌ عريضُ القَفَا، كنايةً عن البَلَهِ بِناءً على ظهورِه عُرفًا فيه كما قيلَ. ابنُ يعقوبَ. وقولُه: (كنايةً إلخ) ، حالٌ من ضميرِ القولِ المقدَّرِ والأصْلِ، نحوَ قولِه: أَوَمَا رأيتَ إلخ، حالَ كونِه كانيًا به عن كونِهم، أي آلِ طلحةَ، أَمْجادًا.
(2) (190) (قولُه: وهناكَ نوعٌ من الكنايةِ إلخ) ، يَحتمِلُ أنَّ المرادَ نوعٌ جارٍ على طريقِ الكنايةِ في إرادةِ كلٍّ من المعنى الأصليِّ والفرعيِّ، وليسَ منها حقيقةً؛ لأنَّ الإرادةَ فيه للمعنى الأصليِّ لفظيَّةٌ للمعنى الفرعيِّ سياقيَّةٌ، بخلافِ الكنايةِ؛ فإنَّ إرادةَ كلٍّ من المعنى الأصليِّ والفرعيِّ لفظيَّةٌ كما هو مذهَبُ المحقِّقينَ. وهذا الاحتمالُ هو الظاهرُ كما يَشهدُ له قولُه: يَعتمِدُ في فَهمِه على السياقِ، وقولُه: وهو إمالةُ الكلامِ إلى عُرْضٍ أي ناحيةٍ، أي: توجيهُ الكلامِ إلى عُرْضٍ بضمِّ العَيْنِ، أي جانبٍ وناحيةٍ، يدُلُّ ذلكَ العُرْضُ على المقصودِ، وهو المعنى المُعَرَّضُ به المقصودُ من سياقِ الكلامِ، مَثلًا قولُكَ لمن يَضُرُّ الناسَ: (الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) ، أو: خيرُ الناسِ مَن يَنفعُهم. معنى الأوَّلِ الصريحِ حصْرُ الإسلامِ في غيرِ المؤذِي، ويلزَمُ منه نفيُ الإسلامِ عن كلِّ مؤذٍ، وهذا هو المعنى الكِنائيُّ، والمقصودُ من السياقِ نفيُ الإسلامِ عن المؤذِي المعيَّنِ كالمخاطَبِ. ومعنى الثاني الصريحُ حصْرُ الخيريَّةِ في غيرِ المؤذِي، ويَلزَمُ منه نفيُها عن كلِّ مؤذٍ، وهذا هو المعنى الكِنائيُّ، والمقصودُ من السياقِ نفيُ الخيريَّةِ عن المؤذِي المعيَّنِ كالمخاطَبِ، وهذا المقصودُ من السياقِ في المثاليْنِ هو المُعَرَّضُ به، وليس اللفظُ مستعمَلًا فيه بل مستعمَلٌ في المعنى الكِنائيِّ، فالمعنى المُعَرَّضُ به ليس حقيقيًّا للَّفْظِ ولا مَجازيًّا ولا كنائيًّا، فالكنايةُ العَرَضِيَّةُ على هذا غيرُ التعريضِ، إلَّا أنَّ المناسبَ كما قالَ السكَّاكيُّ تسميتُها به؛ لوجودِ معناهُ فيها، وبالجملةِ فالمعتَبَرُ على هذا هو كونُ المعنى التعريضيِّ مقصودًا من الكلامِ إشارةً وسياقًا لا استعمالًا، فيَجوزُ أن يكونَ اللفظُ مستعمَلًا في معناهُ المَكْنِيِّ عنه كما علِمْتَهُ، أو في معناهُ المجازيِّ نحوَ: جاءَنا الأسدُ أو البحرُ، تعريضًا بجُبنِ غيرِ الجائِي من الجالسِينَ، أو في معناهُ الحقيقيِّ نحوَ: لستُ أنا بجاهِلٍ، إذا قَصَدَ التعريضَ لشخصٍ معيَّنٍ بالجهْلِ. وقد دلَّ بالمعنى المستعمَلِ فيه اللفظُ من تلك المعاني على مقصودٍ آخَرَ بطريقِ التلويحِ وإشارةِ السياقِ. وفي الأطوَلِ ما معناهُ: ونِعْمَ التوضيحُ تمثيلُ السيِّدِ السَّعْدِ لدَلالةِ الكلامِ على المعنى التعريضيِّ بدَلالةِ التركيبِ على مناسَبةِ الخواصِّ للمقاماتِ، كدَلالةِ الحذْفِ على تعظيمِ المحذوفِ أو إهانتِه، وكدَلالةِ قولِكَ: إنَّ زيدًا قائمٌ، على مناسَبةِ التأكيدِ وهي إنكارُ المخاطَبِ؛ فإنَّه إفادةٌ من غيرِ استعمالٍ فيه. قالَ معاويةُ: فخُروجُ التعريضِ عن الحقيقةِ والمجازِ والكنايةِ معقولٌ، وقد ذهَبَ إليه الفحولُ كصاحبِ الكشَّافِ وابنِ الأثيرِ، فهو عندَهما من قبيلِ التلويحِ والإشارةِ بنفسِ العبارةِ إلى معنى هو من قبيلِ مُسْتَتْبِعاتِ التراكيبِ التي ذكَرَها السيِّدُ قُدِّسَ سرُّه. وليستْ هي كما زعَمَهُ عبدُ الحكيمِ: المعاني التضمُّنِيَّةُ والالتزاميَّةُ التي تُفهَمُ في ضِمْنِ المدلولاتِ المطابِقَيَّةِ من غيرِ تعَلُّقِ قصْدِ المتكلِّمِ بها؛ إذ لا عِبرةَ لنا في فنِّنا بما لم يُقْصَدْ، بل هي التي تُرادُ من معانيها لا من مبانيها، فلا تكونُ مبانيها مستعمَلةً فيها، فهي تَدُلُّ عليها دَلالةً صحيحةً بالإشارةِ لا بالعبارةِ، فلا خفاءَ في خروجِها عن الثلاثةِ. ثمَّ قالَ: والظاهرُ أنَّ هذا هو مرادُ السكَّاكيِّ، وأنَّ ما خالفَه من ظاهرِ كلامِه يَجبُ تأويلُه. ثمَّ قال: وما مَرَّ عنه من أنَّا لا نقولُ في عُرْفِنا: استُعمِلَت الكلمةُ في كذا، حتَّى يكونَ الغرَضُ الأصليُّ طلَبَ دَلالتِها عليه لا يُنافِيه بل يَقتضِيهِ؛ لأنَّ ظاهرَهُ كونُ دَلالتِها بلفظِها لا بعرَضِها، والمعنى التعريضيُّ غرَضٌ أصليٌّ من العَرَضِ لا من اللفظِ، فليس مستعمَلًا فيه، والحقيقيُّ بعكسِه، ولو لأجْلِه فهو مستعمَلٌ فيه، وكونُه لأجْلِه لا يُنافيه اهـ.
لكنْ في شرْحِ ابنِ يعقوبَ على التلخيصِ: إنَّ الصوابَ كونُ دَلالةِ التركيبِ على مناسَبةِ الخواصِّ للمقاماتِ كدَلالةِ اللفظِ المؤكِّدِ في مقامِ الإنكارِ على مناسَبةِ التأكيدِ التي هي الإنكارُ عقليَّةً، وإلَّا لم تَفتَقِرْ إلى الذوقِ، وإنَّها من بابِ الكنايةِ؛ لأنَّ اللفظَ لم يُنْقَلْ للمناسَبةِ ا. هـ. وهو ممَّا يُوضِّحُ ويُؤَيِّدُ كلامَ السعْدِ وعبدِ الحكيمِ، فتأمَّلْ. ويَحتمِلُ أنَّ المرادَ أنَّ هناكَ نوعًا من الكنايةِ حقيقةً، هو التعريضُ، كما أنَّ التمثيلَ نوعٌ من الاستعارةِ حقيقةً، كما هو مذهَبُ السعْدِ في شرحَيْهِ على تلخيصِ المعاني، وتَبِعَه عبدُ الحكيمِ، وحَمَلا عليه كلامَ السكَّاكيِّ والخطيبِ.
وعليه فالتعريضُ عبارةٌ عن استعمالِ التركيبِ في لازمِ معناهُ الذي هو المعنى التعريضيُّ، فهو كنايةٌ مركَّبَةٌ، كما أنَّ التمثيلَ استعارةٌ مركَّبةٌ. وأمَّا الكنايةُ فعبارةٌ عن استعمالِ التركيبِ باعتبارِ جزئِه، سواءٌ كان لفظًا أو نِسبةً، في لازمِ معنى ذلكَ الجزءِ، فهي كنايةٌ في التركيبِ لا كنايةٌ مركَّبةٌ. قالَ في المطوَّلِ: وذلكَ لأنَّ اللفظَ إذا دَلَّ على معنًى دَلالةً صحيحةً فلا بُدَّ من أن يكونَ حقيقةً فيه أو مجازًا أو كنايةً. قالَ السيِّدُ قُدِّسَ سرُّه: وقد غَفَلَ عن مُسْتَتْبِعاتِ التراكيبِ؛ فإنَّ الكلامَ يدُلُّ عليها دَلالةً صحيحةً، وليس حقيقةً فيها ولا مجازًا ولا كنايةً؛ لأنَّها مقصودةٌ تَبَعًا لا أصالةً، فلا يكونُ مستعمَلًا فيها، والمعنى المعرَّضُ به، وإن كان مقصودًا أصليًّا، إلَّا أنَّه ليسَ مقصودًا من اللفظِ حتَّى يكونَ مستعمَلًا فيه، وإنَّما قُصِدَ إليه من السياقِ بجهةِ التلويحِ والإشارةِ ا. هـ
وقد أطالَ في الردِّ عليه وناقشَهُ عبدُ الحكيمِ، ثمَّ بيَّنَ وجهًا آخرَ في معنى كلامِ السكَّاكيِّ والخطيبِ غَفَلَ عنهُ الناظرونَ، لكنْ قد انتصرَ معاويةُ للسيِّدِ، ولولا خوفُ الملَلِ والمَلامِ لتَلَوْتُ عليكَ ما وَقَعَ لهم في هذا المقامِ. وحَمْلُ كلامِ المصنِّفِ على هذا المذهَبِ لا يُنافيه قولُه: يُعتَمَدُ في فَهمِه على السياقِ، إذ يُمْكِنُ أن يُرادَ به أنَّ السياقَ دالٌّ عليه، ولا قولُه: وهو إمالةُ الكلامِ إلى عُرْضٍ أي ناحيةٍ، لإمكانِ أن يُرادَ منه أنَّ التعريضَ توجيهُ الكلامِ إلى عُرْضٍ، أي ليَدُلَّ على جانبٍ غيرِ الموضوعِ له لازِمٍ للموضوعِ له مع دَلالتِه على جانبِ الموضوعِ له بقرينةِ السياقِ الذي لا يَمنَعُ من إرادتِهما هذا. ومن الكنايةِ المركَّبَةِ المركَّباتُ التي قُصِدَ بها إفادةُ لازمِ فائدةِ الخبَرِ، نحوَ: حفِظْتَ التوراةَ، تريدُ إفادةَ المخاطَبِ العالِمِ بأنَّ ما حَفِظَهُ هو التوراةُ أنَّكَ تعلَمُ أنَّه يحفظُ التوراةَ، على ما قالَه جماعةٌ. وقال آخرونَ: إنَّ المركَّباتِ المذكورةَ من بابِ الحقيقةِ التعريضيَّةِ على حدِّ لستُ أنا بجاهلٍ. وادَّعَى الزِّيبَارِيُّ أنَّ ظاهرَ كلامِ القومِ: إنَّ نحوَ حَفِظْتَ التوراةَ، مستعمَلٌ في اللازمِ على سبيلِ المجازِ. فقالَ الشيرانسيُّ: المجازُ مفردٌ مرسَلٌ تَبَعيٌّ في الفعْلِ، فإنَّ حَفِظْتَ مجازٌ مرسَلٌ عن علِمْتُ حِفْظَكَ تبعيَّةَ جَعْلِ الحفْظِ مجازًا مرسَلًا عن العلْمِ به من قبيلِ إطلاقِ اسم اللازمِ على الملزومِ؛ فإنَّ العِلْمَ اليقينيَّ بالحفْظِ يَستلزِمُ تحقُّقَه، فهو نظيرُ {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} في أنَّ المعنى المجازيَّ فيه إرادةُ القراءةِ لا مُطلَقُ الإرادةِ، فتنبَّهْ. هذا حاصلُ ما في الأنبابيِّ وبيانيَّةِ الصبَّانِ بزيادةٍ وتوضيحٍ، واللَّهُ سُبْحانَه وتعالى أعلَمُ.
(علْمُ البديعِ)