فهرس الكتاب
الضارِبِينَ [1] بكُلِّ أبيضَ مُخْذِمِ * والطاعنينَ مجامِعَ الأَضْغانِ
فإنه كنَّى بمجامِعِ الأضغانِ عن القلوبِ.
والكنايةُ إن كَثُرَتْ [2] فيها الوسائطُ [3] سُمِّيَتْ تلويحًا [4] ، نحوَ: هو كثيرُ الرَّمادِ [5] ، أي كريمٌ، فإنَّ كَثْرَةَ الرمادِ تَستلزِمُ كثرةَ الإحراقِ، وكثرةَ الإحراقِ تَستلزِمُ كثرةَ الطبْخِ والخَبْزِ، وكثرتَهما تَستلزِمُ كثرةَ الآكلِينَ، وهي تَستلزِمُ كَثْرَةَ الضِّيفانِ، وكثرةَ الضِّيفانِ تَستلزِمُ الكرَمَ. وإنْ قلَّتْ [6] وخَفِيَتْ سُمِّيَتْ رمْزًا [7] ، نحوَ: هو سَمينٌ رِخوٌ، أي غَبيٌّ بليدٌ. وإن قَلَّتْ فيها الوسائطُ، أو لم تكنْ [8] ، ووَضَحَتْ [9] سُمِّيَتْ إيماءً وإشارةً [10] ، نحوَ:
(1) (قولُه: الضارِبينَ) ، أي: أمْدَحُ الضاربينَ، وقولُه: بكلِّ أبيضَ، أي: بكلِّ سيفٍ أبيضَ، وقولُه: مُخْذِمٍ، بضَمِّ الميمِ وسُكونِ الخاءِ وكسْرِ الذالِ المعجَمةِ، أي: قاطعٍ، وقولُه: والطاعنينَ، أي: وأمدَحُ الطاعنينَ، أي الضاربينَ بالرمْحِ، وقولُه: مجامِعُ الأضغانِ، المَجامعُ جمْعُ مَجْمَعٍ، اسمُ مَكانٍ من الجمْعِ، والأضغانُ جمْعُ ضِغنٍ، وهو الحقْدُ، ومجامِعُ الأضغانِ وإن كان مُشتقًّا ومصدوقُه القلوبُ وإطلاقُ اللفظِ على مَصدوقِه حقيقةٌ لا كنايةٌ، إلَّا أنَّه ليس المرادُ منه هنا الذاتَ الموصوفةَ بالصفةِ، المرادُ منه خُصوصُ الصفةِ، وهي جمْعُ الضِّغْنِ، وهذه لا تُطْعَنُ، فأطلَقَ الشاعرُ الصفةَ التي هي لازمٌ، وأرادَ مَحلَّها وهو الموصوفُ كنايةً. دسوقيٌّ.
(2) (قولُه: والكنايةُ إنْ كَثُرَتْ إلخ) ، يعني أنَّ الكنايةَ من حيثُ هي تتنَوَّعُ إلى ما يُسَمَّى تلويحًا، وإلى ما يُسمَّى رمزًا، وإلى ما يُسمَّى إيماءً وإشارةً، وإلى ما يُسمَّى تعريضًا. وهذه الأنواعُ وإن استوَتْ في كونِها كنايةً، إلَّا أنَّها يَقَعُ التفاوتُ فيها في الجملةِ، أي أنَّه يَفوقُ بعضُها بعضًا في رُتبةِ دقَّةِ الفهْمِ وظهورِه، وفي رُتبةِ قِلَّةِ الوسائطِ وكثرتِها، وذلكَ ممَّا يُؤدِّي إلى التفاوُتِ في الأبلغيَّةِ؛ لأنَّ الخِطابَ بها يَختلِفُ يُناسِبُ بعضُها الذكيَّ وبعضُها الغبيَّ، وما يكونُ خطابًا لذكيٍّ يَفوقُ ما كانَ خطابًا لغبيٍّ في الأبلغيَّةِ، وإن كان كلٌّ في مقامِه بليغًا، فتأمَّلْ. دسوقيٌّ عن ابنِ يعقوبِ.
(3) (قولُه: الوسائطُ) ، أي: بينَ اللازمِ الذي استُعْمِلَ لفظُه وبينَ الملزومِ الذي أُطلِقَ اللفظُ عليه كنايةً.
(4) (قولُه: سُمِّيَتْ تلويحًا) ، أي: لأنَّ التلويحَ في الأصلِ هو أن يُشارَ إلى الشيءِ من بُعْدٍ، وكثرةُ الوسائطِ بعيدةُ الإدراكِ غالبًا. قالَ صاحبُ رُوحِ المعاني: جَعْلُ السكَّاكيِّ التلويحَ اسمًا للكنايةِ الكثيرةِ الوسائطِ اصطلاحٌ جديدٌ خلافَ المشهورِ من تسميةِ التعريضِ تلويحًا ا. هـ بتصرُّفٍ.
(5) (قولُه: نحوَ: هو كثيرُ الرمادِ إلخ) ، أي: فإنَّ بينَ كثرةِ الرمادِ والمضيافيَّةِ المستعمَلِ فيها اللفظُ كنايةً أربعُ وسائطَ كما بيَّنَهُ في الكتابِ، ومِثلُه هو جَبانُ الكلبِ؛ فإنَّ بينَ جُبْنِ الكلبِ والمِضيافيَّةِ المستعمَلِ هو فيها أربعُ وسائطَ، وهو عدَمُ جَراءَةِ الكلْبِ، وأُنْسُ الكلبِ بالناسِ، وكثرةُ مخالَطةِ الوارِدِينَ، وكثرةُ الأضيافِ. وكذا مهزولُ الفصيلِ؛ فإنَّ بينَ هُزالِ الفصيلِ والمِضيافيَّةِ المستعمَلِ هو فيها ثلاثُ وسائطَ، وهي عدَمُ اللبَنِ، وكثرةُ شاربِيهِ، وكثرةُ الأضيافِ.
(6) (184) (قولُه: وإن قَلَّتْ) ، أي: الوسائطُ، بمعنى أنَّها لا تكونُ كثيرةً فيَصْدُقُ بانعدامِها رأسًا، كما في قولِكَ: هو عريضُ القَفَا، أي أبلَهُ؛ فإنَّه يُكَنَّى عن البَلَهِ بذلكَ وليس بينَهما واسطةٌ عُرْفًا. وبوُجودِ الواسطةِ مع القلَّةِ نحوَ: هو عريضُ الوِسادةِ، أي أبْلَهُ؛ لأنَّ عرْضَ الوِسادةِ يَستلزِمُ عرْضَ القفا، وعرْضَ القفا يَستلزِمُ البَلَهَ، فبينَهما واسطةٌ واحدةٌ، ومنهُ مثالُ الكتابِ؛ فإنَّ سَمينًا رِخْوًا يَستلزِمُ عرْضَ القَفا المُستلزِمَ للغَباوَةِ والبَلادةِ. وقولُه: (وخَفِيَتْ) ، أي: الوسائطُ، أو الكنايةُ، والمرادُ خفاءُ اللزومِ، أي بينَ المستعمَلِ فيه والأصلِ.
(7) (قولُه: سُمِّيَتْ رمزًا) ؛ لأنَّ الرمزَ في الأصلِ أن تُشيرَ إلى قريبٍ منكَ بالشَّفةِ أو الحاجبِ، والغالِبُ أنَّ الإشارةَ بهما إنَّما تكونُ عندَ قصْدِ الإخفاءِ.
(8) (قولُه: أَوَلَمْ تكُنْ) ، أي: لم تُوجَد الوسائطُ رأسًا.
(9) (قولُه: ووَضَحَت) ، أي: الواسطةُ حيثُ كانت، أو ووَضَحَت الكنايةُ، بمعنى ظهَرَ اللزومُ فيها بيْنَ المستعمَلِ فيه والأصلِ.
(10) (قولُه: سُمِّيَتْ إيماءً وإشارةً) ، أي: لأنَّ أصلَ الإشارةِ، وكذا الإيماءُ، أن تكونَ حِسيَّةً وهي ظاهرةٌ.