الصفحة 114 من 204

اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذينَ هُمْ مُحْسِنُونَ، {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} ، {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيْلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثيرةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [1] .

(1) فِي هَذِهِ الآْيَاتِ إِثْباتُ مَعِيَّةِ اللهِ. لِخلْقِهِ، وَالْمَعِيَّةُ الْوَارِدَةُ فِي الْكِتَابِ والسُّنَّةِ نَوْعانِ: مَعِيَّةٌ عَامَّةٌ ومِن مُقْتَضَاها الْعِلْمُ وَالإحَاطةُ والاطِّلاعُ، قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُه فِي آيةِ الُمَجَادَلَةِ: ابتْدَأَهَا بالْعِلْمِ وَخَتَمها به حَيْثُ قَالَ: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} . ثم قَالَ فِي آخِرِها: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} .

والنَّوعُ الثَّانِي مِن الْمَعِيَّةِ الْمَعِيَّةُ الخَاصَّةُ ومِن مُقْتضَاها النَّصْرُ والتَّأْييدُ والتَّوفِيقُ ونحوُ ذَلِكَ. وهِيَ الْمَذْكُورةُ فِي مِثلِ قَوْلِه تَعَالَى: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} فهَذِهِ الْمَعِيَّةُ المذَكْورةُ فِي قَوْلِه تَعَالَى: {مَا يَكَوْنُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ} الآيةَ وقَوْلُه: {وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِن اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ} فإِنَّ هَذِهِ الْمَعِيَّةَ تَقْتَضِي عِلْمَه، وَاطِّلاعَهُ، وَمُراقَبَتَهُ لأعْمَالِهم. فهِيَ مُقْتضِيةٌ لِتَخْويفِ العِبَادِ مِنْهُ، والْمَعِيَّةُ الأْولىَ تَقْتَضِي حِفْظَه وَحِياطَتَهُ وَنَصْرَهُ، وَمَعِيَّتُهُ سُبْحَانَهُ لا تُنافِي عُلُوَّه واسْتِواءَه عَلَى عَرْشِه، وَمُبَاينَتَهُ لِخَلْقِه.

(( ولَيْس فِي ظَاهِرِ قَوْلِه: {وَهُوَ مَعَكُمْ} وَنَحْوِها ولا فِي حَقيقَتِها: أَنَّه مُختَلِطٌ بالْمَخْلوقاتِ مُمْتزِجٌ بِهَا. ولاَ تَدُلُّ لَفْظَةُ (( مَعَ ) )عَلَى هذا بِوجْهٍ مِن الوُجوهِ. فَضْلًا عنْ أَنْ يَكَوْنَ هُوَ حَقِيقةَ اللَّفظِ ومَوْضُوعَهُ. فإِنَّ (( مَعَ ) )فِي كلامِ العَربِ للصُّحْبةِ اللاَّئِقَةِ، وهِيَ تَختِلفُ باخْتلافِ مُتعلَّقاتِها وَمَصْحُوبِها؛ فَكَوْنُ نَفْسِ الإِنْسَانِ (مَعَهُ) لَوْنٌ. وَكَوْنُ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَقُوَّتِهِ مَعَهُ لَوْنٌ. وكَوْنُ زَوْجَتِهِ مَعَهُ لَوْنٌ، وكَوْن أمِيرِهِ وَرَئِيسِه مَعَهُ لَونٌ وكَوْنُ مَالِه مَعَهُ لَوْنٌ. فَالْمَعِيَّةُ ثَابِتَةٌ فِي هذا كُلِّه مَع تَنَوُّعِها واخْتِلاَفِها فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: زَوْجَتُه مَعَهُ وبَيْنَهما شُقَّةٌ بَعِيدةٌ. وكذَلِكَ يُقَالُ مع فُلانٍ دَارُ كذا، وَضَيْعَةُ كذا. فَتَأَمَّلْ نُصوصَ الْمَعِيَّةِ فِي الْقُرْآنِ كقَوْلِه تَعَالَى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} وقَوْله: {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ} {وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنوا مَعَهُ} {وَالَّذِينَ آمَنوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ} {وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ} وأضعافِ ذَلِكَ. هل يَقْتَضِي مَوضِعٌ وَاحِدٌ منها مُخالَطَةً فِي الذَّواتِ الْتِصَاقًا وَامْتِزَاجًا؟ فكيفَ تكُونُ حَقِيقةُ الْمَعِيَّةِ فِي حقِّ الرَّبِّ تَعَالَى كذَلِكَ حتى يُدَّعى أَنَّه مَجَازٌ لاَ حَقِيقَةٌ. فلَيْسَ فِي ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَاتَهُ تَعَالَى فيهم، ولا مُلاَصِقَةٌ لهم، ولاَ مُخَالِطَةٌ، ولا مُجاوِرةٌ بِوَجْهٍ مِن الوُجوهِ. وغَايةُ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ (مَعَ) الْمُصاحبةُ والمُوافَقَةُ والمُقارَنَةُ فِي أمْرٍ مِن الأُمُورِ. وهذا الاقْتِرانُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِحَسْبِهِ يَلزمُه لَوازِمُ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِهِ. فإِذَا قِيلَ: اللهُ مع خَلْقِه بِطريقِ العُمومِ كَانَ مِن لوازمِ ذَلِكَ عِلْمُه بهم، وَتَدْبِيرُه لهم وَقُدْرَتُه عليهم.

وإذا كَانَ ذَلِكَ خَاصاًّ كقَوْلِه: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} كَانَ مِن لوازمِ ذَلِكَ مَعِيَّتُه لهم بالنُّصْرةِ والتَّأْييدِ والْمَعُونةِ فَمَعِيَّةُ اللهِ مع عَبْدِه نَوْعانِ:

عَامَّةٌ وخَاصَّةٌ.

وقد اشْتَمَلَ الْقُرْآنُ عَلَى النَّوْعينِ. ولَيْسَ ذَلِكَ بِطريقِ الاشْتِراكِ اللَّفظيِّ. بل حَقِيقتُها ما تَقدَّمَ مِن الصُّحْبَةِ اللاَّئِقَةِ. وقد أخْبرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّه مع خَلْقِه. مع كَوْنِه مُستَوِيًا عَلَى عَرْشِهِ. وَقَرَنَ بينَ الأمْرَينِ كما قَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِن السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فأخْبَرَ أَنَّه خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرْضَ وأَنَّه اسْتَوى عَلَى العرْشِ وأَنَّه مَعَ خَلْقِه يُبْصِرُ أعْمَالَهُم مِن فوقِ عَرْشِه. فَعُلُوُّه لا يُناقِضُ مَعِيَّتَهُ، وَمَعِيَّتُه لا تُبْطِلُ عُلُوَّه. بل كِلاَهُمَا حَقٌّ.

فمِن الْمَعِيَّةِ الخَاصَّةِ قَوْلُه: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} ومِن العَامَّةِ قَوْلُه: {مَا يَكَوْنُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} الآيةَ. فَنَبَّه سُبْحَانَهُ بالثَّلاثَةِ عَلَى العَدَدِ الذي يجمَعُ الشَّفعَ وَالوِتْرَ ولا يُمكِّنُ أهْلَه أنْ يَنْقَسِموا فِي النَّجْوى قِسمينِ ونَبَّهَ بالخَمْسَةِ عَلَى العَدَدِ الَّذِي يَجْمَعُهما. ويُمَكِّنُ أهْلَه أَنْ يَنْقَسِموا فيها قِسْميِنِ، فيَكُونُ مَعَ كُلِّ العَددَينِ فَالمُشْتركِونَ فِي النَّجْوى: إِمَّا شَفْعٌ فَقَطْ. أو وِتْرٌ فَقَطْ أو كِلاَ الْقِسْمينِ. وأقَلُّ أقسامِ الوِتْرِ المُتَناجِينَ ثَلاَثةٌ وَأَقَلُّ أَنْواعِ الشَّفعِ اثْنَانِ.

وأقَلُّ أقْسامِ النَّوعَينِ إذا اجْتَمَعا خَمْسةٌ فَذَكَرَ أَدْنَى مَرَاتِبِ طَائِفَةِ الوِتْرِ وَأَدْنَى مَرَاتِبِ النَّوْعَينِ إذا اجْتَمَعا. ثُمَّ ذَكَرَ مَعِيَّتَهُ العَامَّةَ لِمَا هُوَ أدْنى مِن ذَلِكَ أو أكْثَرُ. وَتَأَمَّلْ كَيْفَ جَعَلَ نَفْسَهُ رَابِعَ الثَّلاثَةِ وَسَادِسَ الْخَمسَةِ. إذ هُوَ غَيْرُهم سُبْحَانَهُ بالحَقِيقةِ. لا يَجْتمعُونَ مَعَهُ فِي جِنْسٍ، ولا فَصْلٍ، وقَالَ: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} فإِنَّهم سَاوَوْا بَيْنَه وبينَ الاثْنَيْنِ فِي الإلَهِيَّةِ: والْعَربُ تَقولُ: رَابِعُ أرْبَعةٍ، وَخَامِسُ خَمْسَةٍ، وَثَالِثُ ثَلاَثةٍ لِمَا يَكُونُ فِي المُضافِ إليه مِن جِنْسِ المُضافِ كما قَالَ تَعَالَى: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ وَصَدِيقُه، فإِنْ كَانَ مِن غيرِ جِنْسِه قَالُوا: رَابِعُ ثَلاثةٍ وَخَامِسُ أَرْبعةٍ، وَسَادِسُ خَمْسةٍ. وقَالَ تَعَالَى فِي الْمَعِيَّةِ الْخَاصَّةِ لمُوسَى وأَخِيه: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} ، وقَالَ فِي العَامَّةِ: {فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ} فَتَأَمَّلْ كيفَ أفْردَ ضَميرَ نَفْسِه حَيْثُ أفْرَدَ مُوسَى وأخَاهُ عَن فِرعونَ، وكيفَ جمَعَ الضَّمِيرَ لمَّا أدْخَلَ فِرعونَ مَعهما فِي الذِّكْرِ فَجَعَلَ الخَاصَّ مَعَ الْمَعِيَّةِ الْخَاصَّةِ، والعامَّ مَعَ العامَّةِ )) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت