فهرس الكتاب
أحدُها: العِلمُ البَديهيُّ القاطعُ بأنَّ كُلَّ مَوجودَيْنِ. إمَّا أنْ يكونَ أحدُهما ساريًا في الآخَرِ قائمًا به كالصِّفَاتِ، وإمَّا أنْ يكونَ قائمًا بنَفْسِه بائنًا مِن الآخَرِ.
الثَّاني: أنه لمَّا خَلَقَ العالَمَ، فإما أنْ يكونَ خَلَقَهُ في ذاتِه أو خارِجًا عن ذاتِه.
(والأوَّلُ) باطِلٌ بالاتفاقِ. ولأنه يلزَمُ أنْ يكونَ مَحلاًّ للخَسَائِسِ والقاذُوراتِ تَعَالَى اللَّهُ عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا.
(والثَّاني) يقتضي كونَ العالَمِ واقعًا خارِجَ ذاتِه فيكونُ منفصِلًا فتَعَيَّنَتِ المبايَنةُ؛ لِأنَّ القولَ بأنه غَيْرُ متَّصِلٍ بالعالَمِ وغيرُ منفَصِلٍ عنه غيرُ معقولٍ.
(الثَّالثُ) أنَّ كَوْنَه تَعَالَى لا داخِلَ العالَمِ ولا خارِجَه يقتضِي نفْيَ وجودِه بالكُلِّيَّةِ لأنه غيرُ معقولٍ فيكونُ مَوجودًا إما داخِلَه وإما خارِجَه والأوَّلُ باطِلٌ فتَعَيَّنَ الثَّاني فلزِمَتِ المبايَنةُ.
وأما ثُبوتُه بالفطرةِ فإنَّ الخَلْقَ جميعًا بطِباعِهِم وقلوبِهم السَّليمةِ يرفعون أيدِيَهُم عند الدُّعَاءِ ويقصِدونَ جِهَةَ العُلُوِّ بقُلوبِهم عند التَّضرُّعِ إلى اللَّهِ تَعَالَى، وقد زعَمَ بعضُهم أنَّ السَّمَاءَ قِبلةُ الدُّعَاءِ، ولذلك يَقصِدُ النَّاسُ جهةَ العُلُوِّ عند الدُّعَاءِ. وهذا خطأٌ، فإنَّ وضعَ الجبهةِ في الأرضِ لَيْسَ لِأنَّ اللَّهَ في جهةِ الأرضِ. وأيضًا فإنه لم يَقُلْ أَحدٌ مِن سلَفِ الأُمَّةِ: إِنَّ السَّمَاءَ قِبلةُ الدُّعَاءِ. بل قِبلةُ الدُّعَاءِ هي قِبلةُ الصَّلاةِ فإنه يُسْتَحَبُّ للدَّاعِي أنْ يستقبِلَ القِبلةَ، فمَن قَالَ: إنَّ للدُّعاءِ قِبلةً غيرَ قِبلةِ الصَّلاةِ فقد ابتدَعَ في الدِّينِ وخالَفَ جماعةَ المسلِمِينَ. والقِبلةُ هي ما يستقبِلُه العابِدُ بوَجْهِه، كما تُسْتَقْبَلُ الكعبةُ في الصَّلاةِ والدُّعَاءِ والذِّكْرِ والذَّبحِ، وكما يُوجَّهُ المُحتضَرُ والمدفونُ ولذلك سُمِّيَتْ وِجْهَةً. والاستقبالُ خِلافُ الاستِدبارِ، فالاستقبالُ بالوَجْهِ والاستدبارُ بالدُّبُرِ. فأمَّا ما حَاذَاهُ الإنسانُ برأسِه أو يَدَيْهِ أو جَنْبِه فهذا لا يُسَمَّى قِبلةً لا حقيقةً ولا مَجازًا. والموضِعُ الَّذِي تُرفَعُ إليه الأيدي لا يُسمَّى قِبلةً لا حقيقةً ولا مَجازًا، ولِأنَّ القِبلةَ في الدُّعَاءِ أمْرٌ شَرْعِيٌّ تُتَّبَعُ فيه الشَّرائعُ، ولم تأْمُرِ الرُّسُلُ أنَّ الدَّاعِيَ يستقبِلُ السَّمَاءَ بوَجهِه، بل نَهَوْا عن ذلك. ومعلومٌ أنَّ التَّوْحِيدَ بالقلبِ، واللَّجَأُ والطَّلَبُ الَّذِي يجِدُه الدَّاعي مِن نفْسِه أَمْرٌ فِطريٌّ يفعَلُه المُسْلِمُ والكافرُ والعالِمُ والجاهلُ، وأكثرُ ما يفعَلُه المضَّطَرُ والمُستغيثُ باللَّهِ، كما فُطِرَ على أنه إذا مَسَّه الضُّرُّ يدعو اللَّهَ مَعَ أنَّ أمْرَ القِبلَةِ مما يَقْبلُ النَّسْخَ والتَّحويلَ، كما تحوَّلَتِ القِبلةُ مِن الصَّخرةِ إلى الكعبةِ. وأمْرُ التَّوْحِيدِ في الدُّعَاءِ إلى الجهةِ العُلْويَّةِ مَرْكوزٌ في الفِطَرِ والمُسْتَقْبِلُ للكعبةِ يَعلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ هناك بخِلافِ الدَّاعي فإنه يَتَّجِهُ إلى ربِّهِ وخالِقِه ويَرجو الرَّحْمَةَ أنْ تَنزِلَ مِن عندِه. وأما النَّقْضُ بوضْعِ الجَبهةِ فما أفْسَدَه مِن نقْضٍ، فإنَّ واضِعَ الجَبهةِ إنما قصْدُه الخضوعُ لمَن فوقَه بالذُّلِّ له، لا بأنْ يَمِيلَ إليه إذْ هو تحتَه هذا لا يَخْطُرُ في قَلْبِ ساجدٍ. لكن يُحْكَى عن بِشْرٍ المِرِّيسِيِّ أنه سُمِعَ وهو يقولُ في سُجودِهِ: سُبْحَانَ ربِّيَ الأسْفَلِ ! تَعَالَى عمَّا يقولُ الظَّالِمونَ والجَاحِدونَ عُلُوًّا كبيرًا.
وقوله: {هُوَ الَّذي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلى العَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ في الأَرْضِ ومَا يَخْرُجُ مِنْها وَمَا يَنْزِلُ مِن السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ، وقَوْلُهُ: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَُهمْ أَيْنَمَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ، قوله: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا} ، {إِنَّني مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} ، إِنَّ