الصفحة 112 من 204

وشَرَفًا كقوله تَعَالَى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} . (السَّابعُ) : التَّصريحُ بتنزيلِ الكتابِ منه كقولِه: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} . (الثَّامنُ) : التَّصريحُ باختصاصِ بعضِ المخلوقاتِ بأنها عندَه وأنَّ بعضَها أقربُ إليه مِن بعضٍ كقولِه: {إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ} ، {وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ} . ففرَّقَ بين مَن له عُمومًا وبين مَن عندَه مِن ملائكَتِه وعَبيدِه خُصوصًا. وقولُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الكِتابِ الَّذِي كَتَبَه الرَّبُّ تَعَالَى على نَفْسِه: إنه عنده فوقَ العرشِ. (التَّاسعُ) : التَّصريحُ بأنه تَعَالَى في السَّمَاءِ. وهذا عند المفسِّرينَ مِن أهلِ السُّنَّةِ على أَحدِ وجهَيْنِ: إما أنْ تكونَ (في) بمعنى (على) وإما أنْ يُرادَ بالسَّمَاءِ العُلُوُّ. لا يَخْتلِفون في ذلك ولا يَجوزُ الحَمْلُ على غيرِه. (العاشرُ) : التَّصريحُ بالاستواءِ مَقرونًا بأداةِ (على) مختَصًّا بالعرشِ الَّذِي هو أعْلَى المخلوقاتِ مصاحِبًا في الأكثرِ لأداةِ (ثُمَّ) الدَّالَّةُ على التَّرتيبِ والمُهْلَةِ. (الحادي عشَرَ) : التَّصريحُ برَفْعِ الأيدي إلى اللَّهِ تَعَالَى كقولِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ اللَّهَ يَسْتَحِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا". (الثَّاني عشَرَ) : التَّصريحُ بنزولِه إلى سماءِ الدُّنْيَا كُلَّ ليلةٍ. (الثَّالثَ عشَرَ) : الإشارةُ إليه حِسًّا إلى العُلُوِّ كما أشارَ إليه مَن هو أعْلَمُ بِرَبِّه وبما يَجِبُ له ويمتنِعُ عليه مِن جميعِ البَشَرِ لمَّا كان بالمَجْمَعِ الأعْظَمِ الَّذِي لم يَجتمِعْ لأحدٍ مِثلُه في اليومِ الأعظَمِ، قَالَ لهم:"إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، فَمَاذَا أنتم قائِلونَ؟"قالوا: نَشْهَدُ أنكَ قد بلَّغْتَ وأدَّيْتَ، ونَصَحْتَ، فرَفَعَ أصبعَه الكريمةَ إلى السَّمَاءِ رافِعًا لها إلى مَن هو فَوْقَها وفوقَ كُلِّ شيءٍ قائلًا:"اللَّهُمَّ اشْهَدْ". (الرَّابعَ عشَرَ) : التَّصريحُ بلفظِ الأَيْنِ كقولِ أعْلَمِ الخَلْقِ به، وأنْصَحِهِم لأُمَّتِه، وأفْصَحِهم بَيانًا عن المعنى الصَّحيحِ بلفظٍ لا يُوهِمُ باطلًا بوجهٍ (أَيْنَ اللَّهُ) في غيرِ موضِعٍ. (الخامسَ عشَرَ) : شهادَتُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمَن قَالَ: إنَّ ربَّه في السَّمَاءِ بالإيمانِ. (السَّادسَ عشَرَ) : إخبارُه تَعَالَى عن فرعونَ أنه رامَ الصَّعودَ إلى السَّمَاءِ ليطَّلِعَ إلى إلهِ مُوسَى فيُكَذِّبَه فيما أخبَرَ به مِن أنه سُبْحَانَهُ فوقَ السَّمَاواتِ فَقَالَ: {يهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا} فمَن نفَى العُلُوَّ مِن الجَهْمِيَّةِ فهو فِرْعَونيٌّ، ومَنْ أثْبَتَه فهو مُوسَوِيٌّ مُحَمَّديٌّ. (السَّابعَ عشَرَ) : إخبارُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه تَردَّدَ بينَ مُوسَى عليه السَّلام وبين رَبِّه ليلةَ المعراجِ بسبَبِ تخفيفِ الصَّلاةِ، فيَصعَدُ إلى ربِّه ثم يعودُ إلى مُوسَى عدَّةَ مِرارٍ. (الثَّامنَ عشَرَ) : النُّصُوصُ الدَّالَّةُ على رؤيةِ أهلِ الجَنَّةِ له تَعَالَى مِن الكِتابِ والسُّنَّةِ، وإخبارُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنهم يَرَوْنَهُ كرُؤيةِ الشَّمْسِ والقمرِ ليلةَ البدرِ لَيْسَ دُونه سحابٌ فلا يَرَوْنَهُ إلَّا مِن فَوْقِهم. كما قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ فَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ فَإِذَا الْجَبَّارُ جَلَّ جَلالُهُ قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَقَالَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ سَلامٌ عَلَيْكُمْ"ثم قرأَ قولَه تَعَالَى: {سَلاَمٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} "ثُمَّ يَتَوَارَى عَنْهُمْ وتَبْقَى رَحْمَتُهُ وَبَرَكَتُهُ عَلَيْهِمْ فِي دِيَارِهِمْ"رواه الإمامُ أحمدُ في المُسنَدِ وغيرِه مِن حديثِ جابرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ولا يَتِمُّ إنكارُ الفوقيَّةِ إلا بإنكارِ الرؤيةِ، ولهذا طرَدَ الجَهْمِيَّةُ الأمْرَيْنِ، وصدَّقَ بهما أهلُ السُّنَّةِ، وصارَ مَن أَثْبَتَ الرُّؤيةَ ونفَى العُلُوَّ مُذَبْذَبًا بين ذلك لا إلى هَؤُلاَءِ ولا إلى هَؤُلاَءِ. وهذه الأنواعُ مِن الأدلَّةِ لو بُسِطَتْ أفْرَادُها لبَلَغَتْ نحوَ ألفِ دليلٍ. فعلى المتأوِّلِ أنْ يُجِيبَ عن ذلك كلِّه وهيهاتَ له بجوابٍ صحيحٍ فأمَّا عُلُوُّه تَعَالَى ومباينَتُه للمخلوقاتِ فيُعلمُ بالعقلِ الموافِقِ للسَّمْعِ، وأما الاستواءُ فطريقُ العِلْمِ به هو السَّمْعُ وعُلُوُّه سُبْحَانَهُ كما هو ثابِتٌ بالسَّمْعِ ثابتٌ بالعقلِ والفِطْرةِ. أمَّا ثُبُوتُه بالعَقْلِ فمِن وُجوهٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت