الصفحة 111 من 204

إِلَّا لِمِثْلِكَ أَوْ مَنْ أَنْتَ سَابِقُهُ ... سَبْقَ الْجَوَادِ إِذَا اسْتَوْلَى عَلَى الأَمَدِ

والاستواءُ لا يكونُ إلا مَعَ مُجاورةِ الشَّيْءِ الَّذِي يُستوَى عليه، هكذا مَوارِدُه في اللُّغَةِ الَّتِي خُوطِبْنا بها. ولا يَصِحُّ أنْ يُقَالَ: استَوى على الدَّابَّةِ والسطْحِ إذا نَزَلَ عنها وفارَقَها، كما يُقالُ استولى عليها. وأيضًا فاستواءُ الرَّبِّ المعدَّى بأداةِ على المُعلَّقِ بِعَرشِه، المُعَرَّفُ باللامِ، المعطوفُ بِثُمَّ على خَلْقِ السَّمَاواتِ والأرضِ، المُطَّرِدُ في مَواردِهِ على أُسلوبٍ واحدٍ، ونمَطٍ واحدٍ، لا يَحتمِلُ إلا معنىً واحدًا، لا يَحتمِلُ معنيَيْنِ البتَّةَ، فضْلًا عن ثلاثةَ عشَرَ أو خمسةَ عشَرَ. ولفظُ الاستواءِ، هو بمعنى الاعتدالِ حَيْثُ استُعمِلَ مجرَّدًا أو مَقرونًا نقولُ: سوَّيْتُه فاسْتَوَى. كما يُقَالُ: عَدَلْته فاعْتَدَلَ فهو مُطاوِعُ الفِعلِ المتعدِّي. وهذا المعنى عامٌّ في جميعِ موارِدِ استعمالِه في اللُّغَةِ. ومنه اسْتَوَى إلى السطْحِ - أي ارتفَعَ في اعتِدالٍ - ومنه اسْتَوَى على ظَهْرِ الدَّابَّةِ - أي اعتدَلَ عليها - قَالَ تَعَالَى: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} وأهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمَّا اسْتَوَى على راحلَتِه. فهو يتضمَّنُ اعتِدالًا واستِقْرارًا عند تجرُّدِه. ويتضمَّنُ المَقرونَ مَعَ ذلك معنى العُلُوِّ والارتفاعِ. وهذا حقيقةٌ واحدةٌ تتنَوَّعُ بتنوُّعِ قُيودِها، كما تتنوَّعُ دلالةُ الفِعلِ بحسَبِ مَفعولاتِه وصِلاتِه، وما يصاحِبُه مِن أداةِ نفْيٍ أو استفهامٍ أو نهيٍ أو إغراءٍ فيكونُ له عند كُلِّ أمْرٍ مِن هذه الأمورِ دلالةٌ خاصَّةٌ، والحقيقةُ واحدةٌ، وهذا شأنُ جميعِ الألفاظِ المُطْلَقةِ إذا قُيِّدتْ، فإنها تتنوَّعُ دلالَتُها بحسَبِ قُيودِها ولا يُخْرِجُها ذلك عن حقائقِها، فعلى هذا إذا اقترَنَ استَوى بحرفِ الاستعلاءِ دَلَّ على الاعتدالِ بلفظِ الفِعلِ، وعلى العُلُوِّ بالحرفِ الَّذِي وُصِلَ به، فإنِ اقترَنَ بالواوِ دَلَّ على الاعتدالِ بنَفْسِه، وعلى معادَلَتِه بعدَ الواوِ بواسِطَتِها، وإذا اقترَنَ بحرفِ الغايةِ دَلَّ على الاعتدالِ بلفظِه، وعلى الارتفاعِ قاصِدًا لِمَا بعدَ حرفِ الغايةِ بواسِطَتِها وزالَ بحمدِ اللَّهِ الاشتراكُ والمجازُ، ووَضَحَ المعْنى، وأسْفَرَ صُبْحُه. ولو فرَضْنا احتِمالَ اللَّفظِ في اللُّغةِ لمعنى الاستيلاءِ والخَمسةَ عشَرَ معنًى فاللَّهُ ورسولُه قد عَيَّنَ بكلامِه منها معنًى واحدًا ونوَّعَ الدلالةَ عليه أعْظَمَ تنويعٍ، حَتَّى يُقالَ بذلك ألْفُ دليلٍ. فالصَّحَابَةُ كلُّهم متَّفِقون لا يَختلفونَ في ذلك المعنى، ولا التَّابِعون، وأَئِمَّةُ الإسلامِ، ولم يَقُلْ أحدٌ منهم أنه بمعنى استولى، وأنه مَجازٌ فلا يَضُرُّ الاحتمالُ بعد ذلك في اللُّغَةِ لو كان حَقًّا.

وقد نَفَتِ الجَهْمِيَّةُ المعطِّلةُ عُلُوَّ اللَّهِ على خَلْقِه. وقالوا: إنه في كُلِّ مكانٍ بِذاتِه، وأنه لا داخِلَ العالَمِ، ولا خارِجَه، ولا مُباينَه ولا مُحايِثَهُ، تَعَالَى اللَّهُ عما يقولون، قَالَ الأوزاعيُّ: كنا نقولُ - والتَّابِعونَ مُتَوافِرون - إنَّ اللَّهَ جلَّ ذِكْرُه فوقَ عَرْشِه، ونؤمِنُ بما وردَتْ به السُّنَّةُ مِن صِفَاتِه.

وقِيلَ لابنِ المبارَكِ: بِمَ نَعرِفُ ربَّنا؟ قَالَ: بأنه فوقَ سمواتِه على العرشِ بائنٌ مِن خَلْقِه. وكان مسروقٌ إذا حُدِّثَ عن عائشةَ قَالَ: حدَّثَتْنِي الصِّدِّيقَةُ بنتُ الصِّدِّيقِ المُبَرَّأةُ مِن فوقِ سبْعِ سماواتٍ. وفي الصَّحيحَيْنِ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لسعدِ بنِ مُعاذٍ:"لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ". والنُّصُوصُ الوارِدةُ المتنوِّعةُ المُحْكمةُ الدَّالَّةُ على عُلُوِّ اللَّهِ على خَلْقِه وكَوْنِه فوقَ عِبادِه تَقْرُبُ مِن عشرين نَوْعًا.

(أحدُها) : التَّصريحُ بالفَوْقيةِ مَقرونًا بأداةِ (مِن) المَعْنِيَّةِ للفَوْقيةِ بالذَّاتِ كقوله: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّنْ فَوْقِهِمْ} . (الثَّاني) : ذِكْرُها مجرَّدةً عن الأداةِ كقوله (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) . (الثَّالثُ) : التَّصريحُ بالعُروجِ، نحو: {تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} . (الرَّابعُ) : التَّصريحُ بالصَّعودِ إليه كقوله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} . (الخامسُ) : التَّصريحُ برَفْعِه بعضَ المخلوقاتِ إليه كقوله: {بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} . (السَّادسُ) : التَّصريحُ بالعَفْوِ المُطْلَقِ، الدَّالِّ على جميعِ مَراتبِ العُلُوِّ ذاتًا وقَدْرًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت