الصفحة 110 من 204

له. بخلافِ الاستواءِ الحقيقيِّ وهو الاستقرارُ فيها والجلوسُ على سريرِها، فإنَّ نُوَّابَ المُلوكِ تَفعَلُ هذا بإِذْنِهم. ومما يُبْطِلُ دعوى المَجازِ.

تجريدُ الاستواءِ مِن اللامِ واقترانِه بحرْفِ عَلَى، وعطْفُ فِعلِه بِثُمَّ على خَلْقِ السَّمَاواتِ والأرضِ، وكونُه سابِقًا في الخَلْقِ على السَّمَوَاتِ والأرضِ، وذِكْرُ تَدبيرِ أمْرِ الخَلْقِ معه الدَّالُّ على كمالِ المُلْكِ، فإنَّ العرشَ سريرُ المَمْلكةِ فأخبَرَ أنَّ له سريرًا كما قَالَ أميةُ بنُ أبي الصَّلْتِ:

مَجِّدُوا اللَّهَ فَهُوَ لِلْمَجْدِ أَهْلٌ ... رَبُّنَا فِي السَّمَاءِ أَمْسَى كَبِيرَا

بِالْبِنَا الأَعْلَى الَّذِي سَبَقَ الْخَلْـ ... ـقَ وسَوَّى فَوْقَ السَّمَاءِ سَرِيرَا

وصدَّقَه رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واستَنْشَدَه الأسودُ بنُ سَرِيعٍ، فقد اسْتَوَى على سريرِ مُلْكِه يُدَبِّرُ أمْرَ المَمالِكِ، وهذا حقيقةُ المُلْكِ، فمَنْ أنْكَرَ عَرْشَه وأنْكَرَ استِواءَه عليه، أو أنْكَرَ تدبيرَه فقد قَدَحَ في مُلْكِه. فهذه القرائنُ تفيدُ القْطَعَ بأنَّ الاستواءَ على حقيقتِه. ولو كان الاستواءُ بمعنى المُلْكِ والقهْرِ لجازَ أنْ يُقالَ: اسْتَوَى على ابنِ آدمَ، وعلى الجَبَلِ، وعلى الشَّمْسِ والقمرِ، وعلى البحرِ والشجرِ والدوابِّ. وهذا لا يقولُه مُسْلِمٌ.

وقد أطْلَقَ أعْلَمُ الخَلْقِ بِرَبِّه عليه أنه فوقَ عَرْشِه. كما في حديثِ ابنِ عباسٍ (( وَالْعَرْشُ فَوْقَ الْمَاءِ واللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ ) )وهذه الفَوْقيةُ هي تفسيرُ الاستواءِ المذكورِ في القرآنِ والسُّنَّةِ، والجَهْمِيَّةُ يجعلونَ كَوْنَه فوقَ العرشِ بمعنى أنه خيرٌ مِن العرشِ وأفضلُ كما يُقَالُ: الأميرُ فوقَ الوزيرِ، والدينارُ فوقَ الدِّرْهَمِ. وهذا مما تأْباهُ اللُّغَةُ، وتَنْفِرُ منه العقولُ، فأين لغةُ العربِ حقيقةً أو مجازًا أنْ يُقالَ: اسْتَوَى على كذا إذا كانَ أعْظَمَ منه قَدْرًا وأفْضَلَ؟

وتفضيلُ اللَّهِ على شيءٍ مِن خَلْقِه لا يُذْكَرُ في شيءٍ مِن القرآنِ إلا رَدًّا على مَن اتَّخَذَ ذلك الشَّيْءَ نِدًّا لِلَّهِ تَعَالَى، فبيَّنَ سُبْحَانَهُ أنه خيرٌ مِن ذلك النِّدِّ، كقولِه تَعَالَى (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) فأمَّا أنْ يُفضِّلَ نفْسَه على شيءٍ مُعيَّنٍ مِن خَلْقِه ابتداءً: فهذا لم يَقَعْ في كلامِ اللَّهِ ولا هو مِمَّا يُقْصدُ بالأخبارِ؛ لِأنَّ قولَ القائلِ ابتداءً: اللَّهُ خيرٌ مِن ابنِ آدمَ، وخيرٌ مِن السَّمَاءِ، وخيرٌ من العرشِ، مِن جِنْسِ قولِ: السَّمَاءُ فوقَ الأرضِ، والثلجُ باردٌ، والنَّارُ حارَّةٌ. ولَيْسَ في ذلك تمجيدٌ ولا تعظيمٌ ولا مَدْحٌ. ولهذا لم يَجئْ هذا اللَّفْظُ في القرآنِ، ولا في كلامِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ولا هو مما جَرَتْ عادةُ النَّاسِ بِمَدْحِ الرَّبِّ تَعَالَى به، مَعَ تفَنُّنِ مَدْحِهِم ومَحامِدِهم، بل هو أرَكُّ كلامٍ وأسْمَجُه. فَكَيْفَ يليقُ بهذا الكلامِ الَّذِي يأخُذُ بمجامعِ القلوبِ عظمةً وجلالةً، ومعانيه أشْرَفُ المعاني وأعْظَمُها فائدةً أنْ يكونَ معناه: إن اللَّهَ أفْضَلُ مِن العرْشِ والسَّمَاءِ؟ ومِن المَثلِ السَّائِرِ نظمًا:

أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّيْفَ يُنْقِصُ قَدْرَهُ ... إِذَا قِيلَ إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِن الْعَصَا

وهذا بخِلافِ ما إذا كان المَقامُ يَقتضي ذلك احتجاجًا على مُبْطِلٍ، وإبْطالا لقولِ مُشْرِكٍ. ولهذا قَالَ يوسُفُ الصِّدِّيقُ عليه السَّلامُ في احتجاجِه على الكُفَّارِ (أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) وأيضًا فإنَّ الاستيلاءَ يكونُ مَعَ مُزايَلةِ المُسْتَوْلِي للمستولَى عليه، ومفارَقَتِه. كما يُقَالُ: اسْتَوَى عثمانُ بنُ عفانَ على خُراسانَ، واستَوْلَى عبدُ المَلِكِ بنِ مروانَ على بلادِ المغربِ، واستولَى الجوادُ على الأمَدِ. قَالَ الشَّاعرُ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت