الصفحة 109 من 204

وَكَذَاكَ قَدْ صَعِدَ الَّذِي هُوَ رَابِعٌ ... وَأَبُو عُبَيْدَةَ صَاحِبُ الشَّيْبَانِي

يَخْتَارُ هَذَا الْقَوْلَ فِي تَفْسِيرِهِ ... أَدْرَى مِنَ الْجَهْمِيِّ بِالْقُرْآنِ

وأنْكَرَ الجَهْمِيَّةُ والمعتزِلةُ عُلُوَّ اللَّهِ على خَلْقِه واستواءَه على عَرْشِه. وحرَّفُوا معانيَ النُّصُوصِ. ففسَّرُوا الاستواءَ بالاستيلاءِ أوِ الإِقْبَالِ على خَلْقِ العَرْشِ إلى غيرِ ذلك مِن التَّأويلاتِ الباطلةِ، فإنه لا يُقالُ استَوْلى على الشَّيءِ إلَّا لِمَن له مُضادٌّ، فيُقالُ لِمَن غَلبَ مِن المتضادَّيْنِ: اسْتَوْلَى عليه، واللَّهُ تَعَالَى لا مُضادَّ له، وأيضًا فلو كان الاستواءُ بمعنى الاستيلاءِ لِمَ يُخْتَصَّ بالعَرْشِ، فإنه سُبْحَانَهُ مُسْتَوْلٍ على جميعِ المخلوقاتِ: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} .

والاستواءُ في كلامِ العربِ الَّذِي خاطَبَنا اللَّهُ بِلُغَتِهمْ، وأَنزَلَ بها كلامَه نوعانِ: مُطْلَقٌ ومُقيَّدٌ: فالمُطْلَقُ ما لم يُوصَلْ معناه بحرْفٍ مِثلَ قولِه: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} . وهذا معناه كَمُلَ وتَمَّ. يُقال: اسْتَوَى النباتُ واسْتَوَى الطعامُ. وأمَّا المقيَّدُ فثَلاثةُ أضْرُبٍ:

(أحدُها) : مقيَّدٌ بإلى كقولِه: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} . واسْتَوَى فلانٌ إلى السَّطْحِ وإلى الغُرْفةِ. وقد ذَكَرَ اللَّهُ هذا المُعَدَّى بإلى في موضعَيْنِ مِنْ كِتابِه في البقرةِ في قولِه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} وفي السَّجْدةِ: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} وهذا بمعنى العُلُوِّ والارتفاعِ بإجماعِ السَّلَفِ.

(والثَّاني) مقيَّدٌ بعَلَى كقولِه تَعَالَى: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} وقوله: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} وقوله: {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} وهذا أيضًا معناه العُلُوُّ والارتفاعُ والاعتدالُ بإجماعِ أهلِ اللُّغَةِ.

(الثَّالثُ) المَقرونُ بواوٍ (مَعَ) الَّتِي تَعدَّى الفِعلُ إلى المفعولِ معه نحوَ: اسْتَوَى الماءَ والخَشَبةَ بمعنى سَاواها. وهذه مَعاني الاستواءِ المعقولةِ في كلامِهم لَيْسَ فيها معنَى اسْتَوْلَى، البتَّةَ، ولا نقَلَه أحدٌ مِن أئمةِ اللُّغَةِ الَّذِين يُعتَمدُ قولُهم. وإنما قاله متأخِّرُو النُّحاةِ ممَّن سلَكَ طريقَ المعتزِلةِ والجَهْمِيَّةِ. والَّذِين قالوا ذلك لم يَقولُوه نَقْلًا، وإنما قالوه: استِنْباطًا وحَمْلًا منهم لِلفْظَةِ (اسْتَوَى) على (استولَى) واستَدَلُّوا بقولِ الشَّاعرِ:

قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ أَوْ دَمٍ مِهْرَاقِ

وهذا البيتُ مُحَرَّفٌ وإنما هو هكذا. قد اسْتَوْلَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ. على أنه لا يَصِحُّ ولا يُعْرَفُ قائِلُه. ولو صحَّ لم يكُنْ فيه حُجَّةٌ بل هو حُجَّةٌ عليهمْ، وهو على حقيقةِ الاستواءِ فإنَّ بِشْرًا هذا كان أخا عبدِ المَلِكِ بنِ مَرْوانَ، وكان أميرًا على العراقِ، فاسْتَوَى على سَريرِها كما هو عادةُ المُلوكِ ونُوَّابِها أنْ يَجْلِسُوا فوقَ سريرِ المُلْكِ مُسْتَوِينَ عليه. وهذا هو المُطابِقُ لمعنى هذه اللَّفْظَةِ في اللُّغَةِ. وأيضًا فاستواءُ الشَّيْءِ على غَيْرِه يتضمَّنُ استقرارَه وثَباتَه وتمَكُّنَه عليه. واستواءُ بِشْرٍ على العراقِ يتضمَّنُ استقرارَه وثباتَه عليها ودُخولَه دُخولَ مُسْتَقِرّ ٍثابتٍ غيرِ مُزلَزلٍ، وهذا يَستلزمُ الاستيلاءَ أو يَتضمَّنُه، فالاستيلاءُ لازِمٌ معنى الاستواءِ لا في كُلِّ مَوْضعٍ، بل في المَوْضعِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ، ولا يَصِحُّ الاستيلاءُ في كُلِّ مَوضِعٍ يَصلُحُ فيه الاستواءُ. بل هذا له موضِعٌ وهذا له مَوضِعٌ، ولهذا لا يَصِحُّ أنْ يُقَالَ: استولَتِ السُّنْبُلَةُ على ساقِها، ولا استولَتِ السَّفِينةُ على الجَبلِ ولا اسْتَوْلى الرَّجُلُ على السَّطْحِ إذا ارتفعَ فوقَه. ولو كان المرادُ بالبيتِ استيلاءُ القَهْرِ والمُلْكِ لكان المُسْتَوِي على العِراقِ عبدُ المَلِكِ بنُ مَرْوانَ لا أخوه بِشرٌ لأنه نائبٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت