فهرس الكتاب
أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمونَ. قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذينَ آمَنُوا وَهُدَىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمينَ. وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لَسَانُ الَّذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبينٌ [1] .
(1) فِي هَذِهِ الآْيَاتِ إثباتُ صِفَةِ الكلامِ لله حَقِيقَةً عَلَى ما يَلِيقُ بِجَلالِهِ تَعَالَى وهُوَ سُبْحَانَهُ قد تَكَلَّمَ بالْقُرْآنِ والكُتُبِ المُنزَّلةِ عَلَى الأَنْبِيَاءِ. وغيرِ ذَلِكَ ويَتَكَلَّمُ إذا شَاءَ مَتَى شَاءَ والْقُرْآنُ كَلامُه تَعَالَى مُنَزَّلٌ غَيرُ مَخلوقٍ وهُوَ كلامُ اللهِ حُروفُه ومَعَانِيهِ وهُوَ سورٌ وآياتٌ وحُروفٌ وكَلِماتٌ قد تَكَلَّمَ بها.
وهَذَا مَذْهَبُ أهلِ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ (( وقَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ وصَرِيحُ السُّنَّةِ والمَعْقولُ وكلامُ السَّلفِ عَلَى أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَتكَلَّمُ بِمَشيئتِهِ، كما دَلَّ عَلَى أَنَّ كَلامَهُ صِفَةٌ قَائِمةٌ بِذَاتِهِ وهِيَ صِفةُ ذَاتٍ وفِعلٍ.
قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا أَمرنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وتَأَمَّلْ نُصوصَ الْقُرْآنِ مِن أوَّلِه إلى آخِرِه. ونُصوصَ السُّنَّةِ التي إِنْ دُفِعَتْ دَفَعَتِ الرِّسالةَ بِأَجْمَعِها وإِنْ كَانَتْ مَجَازًا كَانَ الوَحْيُ كُلُّهُ مَجَازًا وإِنْ كَانَتْ مِن المُتَشابِهِ كَانَ الوْحَيُ كُلُّه مِن المُتشابِهِ وإِنْ وَجَبَ أَوْ سَاغَ تَأْوِيلُها عَلَى خلافِ ظَاهِرِها سَاغَ تَأْوِيلُ جَميع الْقُرْآنِ والسُّنَّةِ عَلَى خلافِ ظَاهِرِه فإِنَّ مَجِيءَ هَذِهِ النُّصوصِ فِي الْكِتَابِ والسُّنَّةِ وظُهورَ مَعانِيها وتَعَدُّدَ أَنْواعِها، واخْتلافَ مَرَاتِبِها أظْهرُ مِن كُلِّ ظَاهرٍ وَأَوْضَحُ مِن كُلِّ واضِحٍ. فَكَمْ جُهْدٍ مَا يَبْلُغُ التَّأويلَ والتَّحريفَ والحَمْلَ عَلَى المَجازِ. هَبْ أَنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُ فِي مَوْضِعٍ واثْنَينِ وَعَشَرةٍ. أَفَيَسوغُ حَمْلُ أكْثرِ مِن ثلاثةِ آلافٍ وأرْبعةِ آلافٍ مَوْضِعٍ كُلِّها عَلَى المجَازَ وتَأْوِيلُ الجميعِ بما يُخالفُ الظَّاهِرَ. فكُلُّ آيةٍ وكُلُّ حَدِيثٍ إلهِيٍّ وكُلُّ حَدِيثٍ فيه الإِخْبارُ عَما قَالَ اللهُ تَعَالَى أو يقولُ وكُلُّ أثرٍ فيه ذَلِكَ إذا اسْتقْرَئْتَ زَادَتْ عَلَى هذا العدَدِ. ويكفِي أحاديثُ الشَّفَاعةِ وأحاديثُ الرُّؤيةِ وأحاديثُ الحِسابِ وأحاديثُ تَكلِيمِ اللهِ لِملائِكَتِه وأَنْبيائِهِ ورُسِلِه وأهلِ الجَنَّةِ وأحاديثُ تكليمِ اللهِ لمُوسى وأحاديثُ تَكَلُّمِه عندَ النُّزولِ الإلهِيِّ وأحاديثُ تَكَلُّمِه بالوَحْيِ، وأحاديثُ تَكْليمِه للشُّهداءِ، وأحاديثُ تَكليمِ كَافَّةِ عِبَادِه يومَ القيامَةِ بلا تُرجُمَانٍ ولا وَاسطةٍ، وأحاديثُ تَكْليمِه للشُّفعاءِ يومَ القِيامَةِ حين يَأْذنُ لهم فِي الشَّفاعةِ إلى غيرِ ذَلِكَ.
وقد دَلَّتِ النُّصوصُ النَّبَوِيَّةُ عَلَى أَنَّه تَعَالَى يَتكلَّمُ إذا شاءَ بما شَاءَ وأَنَّ كَلامَه يُسمَعُ وأَنَّ الْقُرْآنَ الْعَزِيزَ الَّذِي هُوَ سورٌ وآياتٌ وحروفٌ وكلماتٌ عينُ كلامِهِ حَقاًّ. لا تَأليفُ مَلَكٍ ولا بَشَرٍ وأَنَّه سُبْحَانَهُ الَّذِي قَالَ بِنَفْسِه (المص) و (حمسق) و (كهيعص) .
(( وأنَّ الْقُرْآنَ جَمِيعَه حُروفَهُ ومَعَانِيهِ نَفْسُ كَلاَمِهِ الَّذِي تَكَلَّمَ به ولَيْسَ بِمخْلوقٍ ولا بَعْضُهُ قديمًا وهُوَ المَعْنى، وَبعْضُه مَخلوقٌ وهُوَ الكَلِماتُ والحروفُ ولا بَعْضُه كَلامُهُ وَبَعْضُه كلامُ غَيرِهِ. ولا ألفاظُ الْقُرْآنِ وحروفُهُ تَرْجمةٌ تَرْجمَ بها جَبْرائِيلُ أو مُحَمَّدٌ عليهما السَّلامُ عمَّا قَامَ به الرَّبُّ مِن المعْنَى مِِن غيرِ أَنْ يَتكلّمَ اللهُ بها. بل الْقُرْآنُ جَميعُه كلامُ اللهِ حُروفُه وَمَعاِنِيه تَكَلَّمَ اللهُ به حَقِيقةً. والْقُرْآنُ اسمٌ لهذا النَّظمِ الْعَربيِّ الَّذِي بَلَّغَهُ الرَّسولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن جَبْرائِيلَ عَن رَبِّ الْعَالَمِينَ. فَللرَّسُولَينِ مِنه مُجَرَّدُ التَّبْليغِ وَالأدَاءِ لاَ الْوَضْعُ والإِنْشاءُ كَمَا يَقُولُ أهلُ الزَّيْغِ وَالاعْتِداءِ ) ).
(( قَوْلُه: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} قَالَ الأئمَّةُ: هَذِهِ الآيةُ أَقْوَى مَا وَرَدَ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ. قَالَ النَّحَّاسُ: أجمَعَ النَّحْويُّونَ عَلَى أَنَّ الفِعْلَ إذا أُكِّدَ بالمَصْدَرِ لَمْ يَكُنْ مَجَازًا فإِذَا قَالَ تَكْلِيمًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَلاَمًا عَلَى الحَقيقةِ. وأجمَعَ السَّلفُ والخَلَفُ مِن أَهْلِ السُّنَّةِ وغَيْرِهم عَلَى أَنَّ كَلَّمَ هنا مِن الْكَلاَمِ، وَنَقَلَ الْكَشَّافُ عَن بِدَعِ بَعْضِ التَّفْسيرِ أَنَّه مِن الَكَلمِ بمَعْنَى الْجَرْحِ وهُوَ مَرْدودٌ بالإِجْماعِ المذْكُورِ ) ).
(( ورُوِيَ أَنَّ بَعْضَ الْمُعْتَزِلَةِ قَرَأَ عَلَى بَعْضِ المشَائِخِ"وَكَلَّمَ اللهََ مُوسَى تَكْلِيمًا"بِنَصْبِ لفظِ الجَلالةِ! فقَالَ له: يَا ابْنَ الخَنَّاءِ، كَيْفَ تَصنعُ بقَوْلِه تَعَالَى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} يَعْنِي أَنَّ هَذَا لا يَحْتَمِلُ التَّحرِيفَ ولا التَّأوِيلَ فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ فِي أوَّلِ الآْيَةِ وَحْيَهُ إلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِه ثم خَصَّ مُوسَى مِن بَيْنِهم بِالإِخبارِ بأَنَّه كَلَّمَه. وهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّكْلِيمَ الَّذِي حَصَلَ له أَخَصُّ مِن مُطلَقِ الْوَحْيِ الَّذِي ذُكِرَ فِي أَوَّلِ الآْيَةِ ثُمَّ أَكَّدَهُ بالمَصْدَرِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي هُوَ مَصدرُ كَلَّمَ وهُوَ التَّكَلُّمُ رَفْعًا لِما تَوَهَّمَهُ الْمُعَطِّلَةُ والْجَهْمِيَّةُ والْمُعْتَزِلَةُ وغَيْرُهم مِن أَنَّه إِلْهامٌ أو إِشَارةٌ أو تَعْرِيفٌ للمَعْنَى النَّفْسِيِّ بِشَيءٍ غَيْرِ التَّكْلِيمِ فأَكَدَّهُ بالمَصْدرِ المُفِيدِ تَحْقِيقَ النِّسْبةِ وَرَفْعِ تَوَهُّمِ المَجَازِ.
قَالَ الْفَرَّاءُ: الْعَرَبُ تُسَمِّي مَا يُوَصلُ إلى الإِنْسَانِ كَلاَمًا بِأَيِّ طَريقٍ وَصَلَ. فَإِذَا حَقَّقْتَهُ بالمَصْدرِ لم يَكُنْ إلا حَقِيقَةَ الْكَلاَمِ كالإرَادَةِ يُقَالُ: فُلانٌ أرَادَ إِرَادَةً يُريدُونَ حَقِيقَةَ الإِرَادَةِ. ويُقَالُ: أَرَادَ الْجِدَارَ ولا يُقَالُ إِرَادَةً لإِنَّه مَجَازٌ غَيرُ حَقِيقَةٍ هَذَا كَلامُهُ. وقَالَ تَعَالَى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} . وهَذَا تَكْليمٌ غَيْرُ التَّكْليمِ الأوَّلِ الَّذِي أَرْسَلَهُ به إلى فِرعونَ وفِي هَذَا التَّكْلِيمِ الثَّانِي سَألَ النَّظَرَ، لا فِي الأَوَّلِ (( وفيه أُعْطِيَ الأَلْوَاحَ وكَانَ عَلَى مُواعَدَةٍ مِن اللهِ له والتَّكْلِيمُ الأَوَّلُ لم يَكُنْ عَن مُواعدةٍ وفيه قَالَ اللهُ له: {قَالَ يَامُوسَى إِنَّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي} أي بِتَكْلِيمي لك بِإجماعِ السَّلفِ. وقد أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ فِي كِتابِه أَنَّه نَادَاهُ وَنَاجَاهُ فالنِّداءُ مِن بُعْدٍ، وَالنِّجَاءُ مِن قُرْبٍ. تَقُولُ الْعَرَبُ إذا كَبُرَتِ الْحَلْقَةُ فهُوَ نِداءٌ أو نِجَاءٌ.
وقَالَ أَبُوه آدَمُ فِي مُحاجَتِه: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاك اللهُ بِكَلاَمِهِ وخَطَّ لك التَّوْرَاةَ بِيدِهِ. وكذَلِكَ يَقُولُ له أَهْلُ المَوقِفِ إذا طَلَبُوا منه الشَّفَاعةَ إلى رَبِّه. وكذَلِكَ فِي حَدِيثِ الإسْراءِ فِي رؤيةِ مُوسَى فِي السَّماءِ السَّادِسَةِ أو السَّابِعَةِ عَلَى اخْتلافِ الرِّوَايةِ. قَالَ: وذَلِكَ بِتَفْضِيلِهِ بكلامِ اللهِ ولو كَانَ التَّكْلِيمُ الَّذِي حَصَلَ له مِن جِنْسِ ما حَصَلَ لِغَيْرِه مِن الأَنْبِيَاءِلم يَكُنْ لهَذَا التَّخْصِيصِ به فِي الأَحَادِيثِ مَعْنًى ولا كَانَ يُسَمَّى كَلِيمَ الرَّحْمَنِ.
وقَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} فَفَرْقٌ بين تَكْليمِ الْوَحْيِ، والتَّكْلِيمِ بإرْسَالِ الرَّسُول ِ والتَّكْلِيمِ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ.
وقَالَ ابنُ عّبَّاسٍ (وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا) أدْنَى حتى سَمِعَ صَرِيفَ الأقْلامِ. وقَالَ الْبَغَوِيُّ: (وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا) أي مُناجِيًا فَالنَّجِيُّ المُنَاجِي كما يُقَالُ جَلِيسٌ وَنَدِيمٌ ا. هـ (( ففِي هَذِهِ الآْيَاتِ دَلِيلٌ عَلَى تَكْليمِ مُوسَى. والمَعْنَى الْمُجَرَّدُ لا يُسْمَعُ بالضَّرورةِ. ومَن قَالَ: إِنَّه يُسمَعُ فهُوَ مُكابِرٌ ودَلَيلٌ أَنَّه نَادَاهُ. وَالنِّدَاءُ لا يَكُونُ إلا صَوْتًا مَسْمُوعًا لا يُعْقَلُ فِي لُغةِ الْعَرَبِ لَفْظُ النِّداءِ بِغَيْرِ صَوْتٍ مَسْمُوعٍ لا حَقِيقَةً ولا مجازًا. فإِنَّ النِّداءَ وَقْتٌ بِظَرفٍ مُحَدَّدٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النِّداءَ يَقعُ فِي ذَلِكَ الحِينِ دونَ غَيرِهِ.
وجَعْلُ الظَّرفِ للنِّداءِ لاَ يُسمَعُ النِّداءُ إلاَّ فِيه، والِكَلابيَّةُ وَمَن وَافَقَهُم مِن أصْحَابِ الأئمَّةِ الأرْبعةِ يَقُولُونَ: إِنَّه لا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئتِه وَقُدرِتِه. بل الْكَلاَمُ المُعَيَّنُ لازِمٌ لِذَاتِه كَلُزومِ الْحَياةِ لِذَاتِه. وَعِندَهم لمَّا جَاءَ مُوسَى لِميقَاتِ رَبِّه سَمِعَ النِّداءَ الْقَديِمَ لا إِنَّه حِينَئذٍ نُودِيَ ولهَذَا يَقُولُونَ إِنَّه يُسْمِعُ كَلامَه لِخلْقِه، بَدَلَ قَوْلِ النَّاسِ يُكَلِّمُ خَلْقَهُ. وهؤلاء يَردُّونَ عَلَى الْخَلْقِيَّة الذين يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ مَخلوقٌ.
ويَقُولُونَ عَن أَنْفُسِهم: إِنَّهم أَهْلُ السُّنَّةِ المُوافِقونَ للسَّلفِ الذين قالوا: الْقُرْآنُ كلامُ اللهِ غيرُ مَخْلوقٍ ولَيْسَ قَولُهم قولَ السِّلفِ لَكِنْ قَولُهم أقربُ إلى قولِ السَّلَفِ مِن وَجهٍ، وهم يَقُولُونَ: الْكَلاَمُ عِندنا صِفةُ ذاتٍ لا صِفةُ فِعْلٍ والخَلْقِيَّةُ يَقُولُونَ صِفَةُ فِعْلٍ لا صِفَةُ ذَاتٍ. ومَذْهَبُ السَّلَفِ أَنَّه صِفَةُ فِعْلٍ وصِفَةُ ذاتٍ مَعًا فكُلٌّ منهما مُوافِقٌ للسَّلَفِ مِن وَجْهٍ دونَ وَجْهٍ.
فكُلٌّ مِن الْمُعْتَزِلَةِ والأشْعَريَّةِ فِي جِنْسِ مَسائلِ الْكَلاَمِ وأفعالِ اللهِ وافَقُوا السَّلَفَ والأئمَّةَ مِن وَجْهٍ وخالَفُوهم مِن وَجْهٍ، ولَيْسَ قولُ أحدِهم قولَ السَّلَفِ دونَ الآخَرِ لكِنَّ الأشْعَرِيَّةَ فِي جِنْسِ الصِّفاتِ والقَدَرِ أقْربُ إلى قَوْلِ السَّلَفِ والأئمَّةِ مِن الْمُعْتَزِلَةِ فإِنْ قِيلَ: فقد قَالَ تَعَالَى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} وهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّسُول َ أحْدثَ الْكَلاَمَ العَرَبِيَّ. قِيلَ: هَذَا بَاطِلٌ وذَلِكَ أَنَّ اللهَ ذَكَرَ هَذَا فِي مَوْضِعَينِ. والرَّسُول ُ فِي أحدِ المَوضِعينِ مُحَمَّدٌ والرَّسُول ُ فِي الآْيَةِ الأُخْرى جِبْريلُ. قَالَ تَعَالَى فِي سورةِ الحاقَّةِ: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْل شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ} الآْيَةَ. فالرَّسُول ُ هنا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقَالَ فِي سورةِ التَّكويرِ: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} فالرَّسُول هُنا جِبْريلُ. فلو كَانَ إضافةً إلى الرَّسُول لِكَوْنِه أحْدَثَ حُروفَهُ أو أحْدَثَ منه شَيئًا لكَانَ الخَبَرانِ مُتَناقضَيْنِ. فإِنَّه إِنْ كَانَ أحدُهما الَّذِي أحْدَثَها امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الآخَرُ هُوَ الَّذِي أَحْدَثَها وأيضًا فإِنَّه قَالَ: {لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} ولم يَقَلْ: لقَوْلُ مَلكٍ ولا نَبِيٍّ. ولفظُ الرَّسُول ِ يَستلزمُ مُرسلًا له. فدلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الرَّسُول َ مُبَلِّغٌ له عَن مُرْسلِهِ. لا إِنَّه أَنْشَأَ منه شيئًا مِن جهةِ نَفْسِه. وهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّه أَضَافَهُ إلى الرَّسُول ِ لإِنَّه بَلَّغَه وأَدَّاه لا إِنَّه أَنْشَأ منه شيئًا وَابْتَدَأَهُ.
وأيضًا فإِنَّ اللهَ قد كَفَّرَ مَن جَعَلَه قَوْلَ البَشَرِ. ومُحَمَّدٌ بَشرٌ. فمَن قَالَ: إِنَّه قَوْلُ مُحَمَّدٍ فقد كَفَرَ ومَعَ هَذَا فقد قَالَ: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ} فجَعَلَهُ قَوْلَ الرَّسُول ِ البَشَرِيِّ مَعَ تكْفيرِه مَنْ يَقُولُ: إِنَّه قَوْلُ البَشَرِ. فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَاد بذَلِكَ أَِنَّ الرَّسُول َ بَلَّغَه عَن مُرسِلِهِ - لا إِنَّه قَوْلُه مِن تِلقاءِ نَفْسِه - وهُوَ كلامُ اللهِ تَعَالَى الَّذِي أرْسَلَهُ.
ولهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ بالمَوْقِفِ ويَقُولُ: أَلا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلِى قَوْمِه لِأبَلِّغَ كَلامَ رَبِّي، فإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلاَمَ رَبِّي. رواه أَبُو دَاوُدَ وغيرُهُ. والنَّاسُ يَعلمونَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا تَكَلَّمَ بِكَلامٍ تَكَلَّمَ بِحُروفِه وَمَعانِيهِ بِصَوْتِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ المْبُلَّغُونَ عنه يُبلِّغونَ كَلاَمَه بِحَرَكَاتِهِمْ وأصْواتِهم كما قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَضَّرَ اللهُ امْرأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ كََما سَمِعَهُ فالمُسْتمِعُ منه مُبَلِّغٌ حَدِيثَه كما سَمِعَهُ لكن بصوتِ نَفْسِه لا بصوتِ الرَّسُول ِ. فالْكَلاَمُ هُوَ كلامُ الرَّسُول ِ تَكلَّمَ به بِصَوتِه والْمُبَلِّغُ بَلَّغَ كلامَ رسولِ اللهِ بصوتِ نَفْسِه. وإذا كَانَ هَذَا مَعلومًا فِي تَبليغِ كلامِ المَخلوقِ فكلامُ الخالِقِ أوْلَى بذَلِكَ. ولهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِن الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ} وقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ. فجَعَلَ الْكَلاَمَ كلامَ البَارِي وجَعَلَ الصَّوتَ الَّذِي يَقْرَؤُه العَبْدُ صوتَ القَارِئِ. وأصواتُ العِبادِ ليست هِيَ الصَّوتَ الَّذِي يُنادِي اللهُ به ويَتكَلَّمُ به. كما نَطَقَت النُّصُوصُ بذَلِكَ. بل ولا ومِثلَه. فمَن قَالَ عَن الْقُرْآنِ الَّذِي يَقْرؤه المُسْلِمونَ لَيْسَ هُوَ كلامَ اللهِ أو هُوَ كَلاَمُ غيرِ اللهِ فهُوَ مُلحِدٌ مُبتدِعٌ ضَالٌّ. ومَنْ قَالَ: إِنَّ أصواتَ الْعِبَادِ أو المِدَادِ الَّذِي يُكتبُ به الْقُرْآنُ قَدِيمٌ أزَلِيٌّ فهُوَ مُلْحِدٌ مُبتدِعٌ. بل هَذَا الْقُرْآنُ هُوَ كَلاَمُ اللهِ، وهُوَ مُثبَتٌ فِي المصَاحفِ وكَلاَمُ اللهِ مُبلَّغٌ عنه مَسموعٌ مِن القُرَّاءِ. لَيْسَ مَسموعًا منه. فالإِنْسَانُ يَرَى الشَّمسَ والقَمرَ والكواكبَ بطريقِ المُباشِرِ، ويَراها فِي ماءٍ أو مِرآةٍ فهَذِهِ رؤيةٌ مُقَيَّدةٌ بِالواسِطةِ، وتلك مُطلقةٌ بطريقِ المُباشِرِ. ويُسمَعُ مِن المُبَلِّغِ عنه بِواسطةٍ. والمقصودُ بالسَّماعِ هُوَ كلامُهُ فِي المَوْضِعينِ كما أَنَّ المقصودَ بالرُّؤيةِ هُوَ المَرئِيُّ فِي المَوْضِعينِ.
وإذا قِيلَ لِلمسموعِ إِنَّه كَلاَمُ اللهِ فهُوَ كَلاَمُ اللهِ مَسْموعًا مِن المُبَلِّغِ عنه، لا مَسموعًا منه. فهُوَ مسموعٌ بِواسطةِ صوتِ العبدِ، وصوتُ العبدِ مخلوقٌ. وأما كَلاَمُ اللهِ منه فهُوَ غيرُ مخلوقٍ حيثما تَصرَّفَ.
وقَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} ففيه إخبارٌ بأَنَّه أَنْزلَ الْقُرْآنَ.
ولفظُ الإِنْزالِ فِي الْقُرْآنِ قد يَرِدُ مُقيَّدًا بالإِنْزالِ منه كَنُزولِ الْقُرْآنِ، وقد يَرِدُ مُقَيَّدًا بالإِنْزالِ مِن السَّماءِ ويُرادُ به العُلُوُّ فيتَناولُ نزولَ المطرِ مِن السَّحابِ، ونزولَ الملائكةِ مِن عندِ اللهِ، وغيرَ ذَلِكَ. وقد يَرِدُ مُطلقًا فلا يخْتَصُّ بنوعٍ مِن الإِنْزالِ. بل ربما يَتناولُ الإِنْزالَ مِن رؤوسِ الجبالِ كقَوْله: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} والإِنْزالُ مِن ظهورِ الحَيوانِ كإِنْزالِ الفحْلِ الماءَ وغيرَ ذَلِكَ. فقَوْلُه: {نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ} بَيانٌ لِنُزولِ جِبريلَ به مِن اللهِ عز وجل. فإِنَّ رُوحَ القُدسِ هنا هُوَ جبريلُ بدليلِ قَوْلِه تَعَالَى: {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ} وهُوَ الرُّوحُ الأمينُ كما فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِن الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} وفِي قَوْلِهِ (الأَمِينُ) دلالةٌ عَلَى أَنَّه مُؤْتمَنٌ عَلَى ما أُرْسِلَ به لا يَزيدُ فيه ولا يُنقِصُ. فإِنَّ الرَّسُول َ الخائنَ قد يُغيِّرُ الرِّسالةَ.
وفِي قَوْلِهِ: {مُنَزَّلٌ مِن رَّبِّكَ} دلالةٌ عَلَى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إِنَّه كَلاَمٌ مخلوقٌ خَلَقَه فِي جِسمٍ مِن الأجسامِ المخلوقةِ كما هُوَ قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ الذين يَقُولُونَ بخَلْقِ الْقُرْآنِ مِن الْمُعْتَزِلَةِ والنَّجَّاريَّةِ والضَّراريَّةِ وغَيْرِهم. فإِنَّ السَّلَفَ كَانُوا يُسمُّونَ كُلَّ مَنْ نَفَى الصِّفاتِ وقَالَ: إِنَّ الْقُرْآنَ مخلوقٌ وإِنَّ اللهَ لا يُرى فِي الآخِرةِ جَهْمِياًّ. كما تُبطِلُ قَوْلَ مَن يَجعلُه فَاضَ عَلَى نفسِ النَّبِيِّ مِن العقلِ الفَعَّالِ أو غيرِه. وقَوْلُ مَن قَالَ: إِنَّ الْقُرْآنَ العربيَّ لَيْسَ مُنَزَّلًا مِن اللهِ بل مخلوقٌ إِمَّا فِي جبريلَ أو مُحَمَّدٍ أو جسمٍ غيرِهما كما يَقُولُ ذَلِكَ الكِلابيَّةُ والأشْعَرِيَّةُ. الذين يَقُولُونَ: إِنَّ الْقُرْآنَ العربيَّ لَيْسَ هُوَ كَلاَمَ اللهِ وإِنَّما كلامُه المَعنىُّ القائمُ بذاتِه. والْقُرْآنُ الْعَرَبِيُّ خُلِقَ لِيَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ المَعْنى. ثُمَّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَلَقَ بَعْضَ الأجسامِ الهواءَ أو غيرَه أو ألْهَمَهُ جبريلَ فعَبَّرَ عنه بالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ أو أَنْ يَكُونَ جبريلُ أخذَهُ مِن اللَّوحِ المحفوظِ أو غيرِه. والْقُرْآنُ اسمٌ للقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ لَفْظِه وَمعْنَاه. بدليلِ قَوْلِه تَعَالَى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ} وإِنَّما يُقرأُ الْقُرْآنُ الْعَرَبِيُّ لا يُقرأُ مَعانِيهِ المُحَدَّدةُ وكذَلِكَ قَوْلُه: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} والْكِتَابُ اسمٌ للكَلاَمِ الْعَرَبِيِّ بالضَّرورةِ والاتِّفاقِ. فإِنَّ الكِلابيَّةَ أو بَعضَهم يُفرِّقُ بينَ كَلاَمِ اللهِ وكتابِ اللهِ. فيَقُولُ: كَلاَمُ اللهِ هُوَ المَعْنى القائمُ بالذَّاتِ وهُوَ غيرُ مخلوقٍ. وكتابُه هُوَ المَنظومُ المُؤلَّفُ الْعَرَبِيُّ وهُوَ المخلوقُ.
والْقُرْآنُ يُرادُ به تَارةً هَذَا وتارةً هَذَا. واللهُ تَعَالَى قد سَمَّى نَفْسَ مجموعِ اللَّفظِ والمَعْنى قُرآنًا وكِتابًا وكَلاَمًا فقَالَ: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآن مُّبِينٍ} وقَالَ: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِن الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ} الآْيَةَ فَبيَّنَ أَنَّ الذي سَمِعوه هُوَ الْقُرْآنُ وهُوَ الْكِتَابُ.
لكن لفظُ الْكِتَابِ قد يُرادُ به المكتوبُ فيَكُونُ هُوَ الْكَلاَمُ، وقد يُرادُ به ما يُكتبُ فيه كقَوْله: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} الآْيَةَ. وقَالَ: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتَابًا} الآْيَةَ فقَوْلُه: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} يتناولُ نزولَ الْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ. فُعلِمَ أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ يُنزَّلُ مِن اللهِ لا مِن الهواءِ ولا مِن اللَّوحِ ولا مِن جِسمٍ آخَرَ ولا مِن جبريلَ ولا مُحَمَّدٍ ولا غيرِهما.
وكَوْنُ الْقُرْآنِ مكتوبًا فِي اللَّوحِ المَحفوظِ وفِي صُحُفٍ مُطَهَّرةٍ بأيدي الملائكةِ لا ينُافِي أَنْ يَكُونَ جبريلُ نَزلَ به مِن اللهِ سواءً كَتبَه اللهُ قبلَ أَنْ يُرْسِلَ به جبريلَ أو غيرَ ذَلِكَ. وإذا كَانَ قد أَنْزلَه مكتوبًا إلى بيتِ العِزَّةَِ جُملةً واحدةً فِي ليلةِ القَدْرِ فقد كَتَبه كُلَّهُ قَبلَ أَنْ يُنزلَه. واللهُ تَعَالَى يعلمُ ما كَانَ وما لا يَكُونُ أَنْ لو كَانَ كَيْفَ يَكُونُ. وهُوَ سُبْحَانَهُ قَدَّرَ مَقاديرَ الخلائقِ وكَتَبَ أعمالَ الْعِبَادِ قبل أَنْ يَعملُوها، كما ثَبَتَ ذَلِكَ بالْكِتَابِ والسُّنَّةِ وآثارِ السَّلَفِ. ثُمَّ إِنَّه يأمرُ الملائكةَ بكتابَتِها بعدَ ما يَعملُونها فَيقابِلُ مِن الكتابةِ المُتقدِّمةِ عَلَى الوجودِ والْكتابةِ المُتأخِّرةِ عنها فلا يَكُونُ بينهما تَفاوتٌ. هكذا قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وغيرُه مِن السَّلَفِ وهُوَ حقٌّ فإذا كَانَ ما يَخلقُه بائنًِا منه قد كُتِبَ قبْلَ أَنْ يَخلُقَه فكَيْفَ يُستبعدُ أَنْ يَكتبَ كلامَه الَّذِي يُرسلُ به مَلائكتَه. قَبْلَ أَنْ يُرسلَهم به.
(( وقَد افْترقَ النَّاسُ فِي مسألةِ الْكَلاَمِ عَلَى تَسعةِ أقوالٍ:
أحدُها: إِنَّ كَلاَمَ اللهِ ما يَفيضُ عَلَى النُّفوسِ إمَّا مِن العقلِ الفعَّالِ عندَ بعضِهم أو مِن غيرِه. وهَذَا قَوْلُ الصَّائبةِ والمُتفلسِفةِ.
وثَانِيها: إِنَّه مخلوقٌ مُنفصِلٌ عنه. وهَذَا قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ.
وثالِثُها: إِنَّه مَعنًى واحدٌ قائمٌ بذاتِ اللهِ هُوَ الأمرُ والنَّهْيُ والخبرُ والاستخبارُ. وإِنَّ عُبِّرَ عنه بالعربِيَّةِ كَانَ قُرآنًا، وإِنْ عُبِّرَ عنه بالعبْرانِيَّةِ كَانَ تَوراةً. وهَذَا قَوْلُ ابنِ كِلابٍ ومَن وَافَقَهُ كالأشْعريِّ وغيرِه.
ورابِعُها: إِنَّه حروفٌ وأصواتٌ أَزليَّةٌ مُجتمِعةٌ فِي الأزلِ. وهَذَا قَوْلُ طائفةٍ مِن أَهْلِ الْكَلاَمِ ومِن أَهْلِ الحَدِيثِ.
وخامِسُها: إِنَّه حروفٌ وأصواتٌ لكن تَكلَّمَ اللهُ بها بعد أَنْ لم يَكُنْ مُتكَلِّمًا. وهَذَا قَوْلُ الكراميَّةِ وغَيْرِهم.
وسادسِهُا: إِنَّ كلامَه يَرجعُ إلى ما يُحدِثُه مِن عِلمِه وإرادَتِه القائِمةِ بذاتِه وهَذَا يَقُولُهُ صاحبُ المُعتَبرِ ويَميلُ إليه الرَّازيُّ فِي المَطالبِ العاليِةِ.
وسابِعُها: إِنَّ كلامَه يَتضمَّنُ معنًى قائمًا بذاتِه هُوَ ما خَلِيه فِي غيرِه. وهَذَا قَوْلُ أبي منصورٍ المَاتِريديِّ.
وثامِنُها: إِنَّه مُشترِكٌ بين المَعْنى القديمِ القائمِ بالذَّاتِ، وبين ما يَخلقُه فِي غيرِه مِن الأصواتِ. وهَذَا قَوْلُ أبي المعَالي ومَن اتَّبعَهُ.
وتاسِعُها: إِنَّه تَعَالَى لم يَزلْ مُتكلِّمًا إذا شَاءَ ومتى شَاءَ وكَيْفَ شَاء وهُوَ يتكَلَّمُ بصوتٍ يُسمَعُ وإِنَّ نوعَ الْكَلاَمِ قديمٌ وإِنْ لم يَكُنِ الصَّوتُ الُمعَيَّنُ قديمًا. وهَذَا المأثورُ عَن أئمَّةِ الحَدِيثِ والسُّنَّةِ.
(( واستَدَلَّ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى خلقِ الْقُرْآنِ بقَوْله: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} قالوا والْقُرْآنُ شيءٌ فَيدخلُ فِي عمومِ كُلٍّ فيَكُونُ مخلوقًا. وهَذَا مِن أعجبِ العَجبِ فإِنَّ أفعالَ الْعِبَادِ كُلَّها عندَهم غيرُ مخلوقةٍ لله تَعَالَى وإِنَّما يخلُقها الْعِبَادُ جميعَها فأخْرجوها مِن عمومِ (( كُلَّ ) )وأدْخَلوا كَلاَمَ اللهِ فِي عمومِها مَعَ إِنَّه صِفَةٌ مِن صفاتِه به تَكُونُ الأشياءُ المخلوقةُ إذ بأمْرِه تَكُونُ المخلوقاتُ.
قَالَ تَعَالَى: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} ففَرْقٌ بين الخلقِ والأمرِ فلو كَانَ الأمرُ مخلوقًا لَلزِمَ أَنْ يَكُونَ مخلوقًا بأمْرٍ آخرَ والآخرُ بآخرَ إلى ما لا نِهايةَ له فيلزمُ التَّسلسُلُ وهُوَ باطلٌ وَطَردُ باطلِهم أَنْ تَكُونَ جميعُ صِفاتِه تَعَالَى مخلوقةً كالْعِلْمِ والقُدرةِ وغيرِها وذَلِكَ صريحُ الكُفرِ. وكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُتكلِّمًا بكَلاَمٍ يقومُ بِغيرِه؟ ولو صَحَّ ذَلِكَ للزِمَ أَنْ يَكُونَ ما أحْدَثَهُ مِن الْكَلاَمِ فِي الجَماداتِ كلامَه وكذَلِكَ أيضًا ما خَلَقَه فِي الحيوانَاتِ، بل يلزمُ أَنْ يَكُونَ مُتَكَلِّمًا بكُلِّ كَلاَمٍ خلقَه فِي غيرِه زُورًا كَانَ أو كَذبًا أو كُفرًا وهَذَيانًا تَعَالَى اللهُ عَن ذَلِكَ، وقد طَرَدَ هَذَا الاتِّحاديَّةَ فقَالَ ابنُ عَربيٍّ:
وكُلُّ كَلاَمٍ فِي الوجودِ كلامُه ... سواءً علينا نَثْرُه ونِظامُه
ولو صَحَّ أَنْ يُوصفَ أحدٌ بصِفَةٍ قامَتْ بغيرِه لَصحَّ أَنْ يُقَالَ للبَصيرِ أعْمَى وللأعْمَى بَصيرٌ لإِنَّ البَصيرَ قد قام وَصْفُ العَمَى بغيرِه والأعْمَى قد قامَ وصْفُ البصرِ بغيرِه، ولصَحَّ أَنْ يُوصفَ اللهُ تَعَالَى بالصِّفاتِ التي خَلقَها فِي غيرِه مِن الألْوانِ والرَّوائحِ والطُّعومِ والطُّولِ والقِصرِ، ونحوِ ذَلِكَ. وقَالَ الإِمَامُ عبدُ العزيزِ المكِّيُّ فِي مُناظرتِه لبِشْرٍ المَرِيسيِّ: إِنْ قَالَ بِشْرٌ:
إِنَّ اللهَ خلَقَ كلامَه فِي نَفْسِه. فهَذَا مُحالٌ، لإِنَّ اللهَ لا يَكُونُ مَحَّلًا للحوادثِ المخلوقةِ ولا يَكُونُ منه شيءٌ مخلوقٌ. وإِنْ قَالَ: خَلَقَه فِي غيرِه فهُوَ كَلاَمُ ذَلِكَ الغيرِ. وإِنْ قَالَ خلَقَه قائمًا بنفسِه وذاتِه فهَذَا محُالٌ، لا يَكُونُ الْكَلاَمُ إلا مِن متكَلِّمٍ كما لا تَكُونُ الإرادةُ إلا مِن مُريدٍ ولا الْعِلْمُ إلا مِن عالِمٍ ولا يُعقلُ كَلاَمٌ قائمٌ بنفسِه يُتكلَّمُ بذاتِه. فلمَّا استحالَ مِن هَذِهِ الجهاتِ أَنْ يَكُونَ مخلوقًا عُلمَ أَنَّه صِفَةُ اللهِ ا. هـ وعمومُ كُلٍّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِحسْبِه، ويُعرفُ ذَلِكَ بالقَرائنِ ألا تَرَى إلى قَوْلِهِ تَعَالَى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأْصْبَحُوا لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} ومساكِنُهم شيءٌ ولم تدخلْ فِي عمومِ كُلِّ شيءٍ دمَّرتْه الرِّيحُ. وذَلِكَ لإِنَّ الْمُرَادَ تُدمِّرُ كُلَّ شيءٍ يَقبلُ التَّدميرَ بالرِّيحِ عادةً وما يَستحقُّ التَّدميرَ. وكذا قَوْلُه تَعَالَى حِكايةً عَن بِلقيسَ {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} الْمُرَادُ مِن كُلِّ شيءٍ يحَتاجُ إليه الملوكُ والْمُرَادُ مِن قَوْلِه: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} أي كُلُّ شيءٍ مخلوقٌ وكُلُّ موجودٍ سوى اللهِ فهُوَ مخلوقٌ. فدَخَلَ فِي هَذَا العمومِ أفعالُ الْعِبَادِ حَتمًا ولم يدخلْ فِي العمومِ الخالقُ تَعَالَى. وصفاتُه ليست غيرَه لإِنَّه تَعَالَى هُوَ الموصوفُ بصفاتِ الكمالِ، وصفاتُه مُلازمةٌ لذَاتِه المُقدَّسةِ لا يُتصوَّرُ انْفصالُ صِفاتِهِ عنه.
وقَالَ ابنُ القَيِّمِ: احتَجَّ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى مخلوقِيَّةِ الْقُرْآنِ بقَوْلِه تَعَالَى: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} ونحوِ ذَلِكَ مِن الْآيَاتِ فأجابَ الأكْثرون بإِنَّه عامٌّ مخصوصٌ يخَصُّ مَحلَّ النَّزاعِ كسائرِ الصِّفاتِ مِن الْعِلْمِ ونحوِه.
قَالَ ابنُ عَقِيلٍ فِي الإرشادِ: ووقَعَ لي أَنَّ الْقُرْآنَ لا يَتناولُهُ هَذَا الإخبارُ ولا يَصلحُ لِتناولِه قَالَ: لإِنَّ به حَصلَ عَقْدُ الإعلامِ بكونِه خَالِقًا لكُلِّ شيءٍ وما حَصَلَ به عقدُ الإعلامِ والإخبارِ لم يَكُنْ داخِلًا تحتَ الخبرِ. قَالَ: ولو أنَّ شَخصًا قَالَ: لا أتكلَّمُ اليومَ كَلاَمًا إلا كَانَ كذبًا لم يدخلْ إخبارُه بذَلِكَ تحتَ ما أَخبرَ به (( قلتُ ) )ثُمَّ تَدَبَّرتُ هَذَا فوجَدْتُه مذكورًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ مَريمَ: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِن البَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنَّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمِن صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنَّسِيًّا} وإِنَّما أُمرِتْ بذَلِكَ لئلا تُسألَ عَن ولدِها.
فقولُها {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنَّسِيًّا} به حَصلَ إخبارٌ بإِنَّها لا تُكلِّمُ الإِنَّسَ ولم يَكُنْ ما أخبرتْ به داخلًا تحتَ الخبرِ وإلا كَانَ قولهُا هَذَا مخُالفًا لِنذْرِها ا. هـ
وأمَّا استدلالهم بقَوْلِه تَعَالَى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} فما أفسدَهُ مِن استدلالٍ فإِنَّ"جَعَلَ"إذا كَانَ بمعنى خَلقَ يتعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ كقَوْلِه تَعَالَى: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} وإذا تعدَّى إلى مَفعوليْنِ لم يَكُنْ بمعنى خَلَق قَالَ تَعَالَى: {وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا} وكذا قَوْلهُ تَعَالَى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرآنًا عَرَبِيًّا} .
وما أفسدَ استدلاُلهم بقَوْلِه تَعَالَى: {نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمِن فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِن الشَّجَرَةِ} عَلَى أَنَّ الْكَلاَمَ خلقَهُ اللهُ فِي الشَّجرةِ فسَمِعَهُ مُوسَى منها. وعُمُّوا عمَّا قبلَ هَذِهِ الكلمةِ وما بعدَها فإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ} والنِّداءُ هُوَ الْكَلاَمُ مِن بُعدٍ فسَمِعَ مُوسَى النِّداءَ مِن حافَّةِ الوادِي ثُمَّ قَالَ: {فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِن الشَّجَرَةِ} أي إِنَّ النِّداءَ كَانَ فِي الُبقعةِ المُباركةِ مِن عندِ الشَّجرةِ ومِن لابتداءِ الغايةِ. ولو كَانَ الْكَلاَمُ مخلوقًا فِي الشَّجرةِ لكَانَتْ الشَّجرةُ هِيَ القَائلةُ: {يا مُوسَى إِنَّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} وهل قَالَ: {إِنَّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} غيرَ ربِّ العالَميَن؟ ولو كَانَ هَذَا الْكَلاَمُ بُدًّا مِن غيرِ اللهِ لكَانَ قَوْلُ فرعونَ أَنَا رَبُّكُمُ الأعَلَى صِدقًا. إذ كُلٌّ مِن الكلامينِ عندَهم مخلوقٌ قد قالَهُ غيرُ اللهِ. وقد فرَّقوا بينَ الكلامين عَلَى أصولِهم الفاسِدةِ إِنَّ ذاك كَلاَمٌ خَلقَهُ اللهُ فِي الشَّجرةِ. وهَذَا كَلاَمٌ خَلَقه فرعونُ فَحَرَّفُوا وبَدَّلوا واعتَقَدوا خَالِقًا غيرَ اللهِ.
وأمَّا قَوْلهُ تَعَالَى فِي عيسى عَلَيْهِ السَّلامُ (وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ) فالمعنى إِنَّه خَلقَه بالكلمةِ التي أَرسلَ بها جبريلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مريمَ فَنَفخَ فِيَهَا الرُّوحَ. فعيسى ناشِئٌ عَن الكلمةِ. ولَيْسَ هُوَ نفْسَ الكلمةِ وقَوْلُه تَعَالَى: {وَرُوحٌ مِّنْهُ} يَعْني إِنَّه كائنٌ منه تَعَالَى أي هُوَ مُوجِدُه وخالِقُه فهُوَ رُوحٌ مِن الأرواحِ التي خلقَها اللهُ كما قَالَ تَعَالَى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} أي مخلوقةٌ بأمرِه.