فهرس الكتاب
* إثبات رؤية المؤمنين الله يوم القيامة *
وَقَوْلُهُ: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلى رَبِّها نَاظِرَةٌ} ، {عَلَى الأَرَائِكَ يَنْظُرُونَ} ، {لِلَّذينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} ، وقَوْلُهُ: {لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيْدٌ} [1] .
(1) فِي هَذِهِ الآْيَاتِ إثباتُ رؤيةِ المؤمنين ربَّهم جل وعلا يومَ القِيامَةِ عِيَانًا بأبْصارِهم. ومسألةُ الرُّؤيةِ من أعظم المسائلِ التي وقعَ النِّزاعُ فِيَهَا بين أَهْلِ السُّنَّةِ وغَيْرِهم.
(( وقد اتَّفقَ عليها الأَنْبِيَاءُ والمُرسلونَ، وجميعُ الصَّحابةِ والتَّابعونَ، وأئمَّةُ الإسلامِ عَلَى تتابعِ القرونِ. والمُخالفُ فِي الرُّؤيةِ الْجَهْمِيَّةُ والْمُعْتَزِلَةُ ومَن اتَّبعهم مِن الخوارجِ والإمامِيَّةِ وقولُهم باطلٌ مَردودٌ بالْكِتَابِ والسُّنَّةِ. قَالَ ابنُ خُزيمةَ: لم يختلفِ المؤمنونَ فِي إِنَّ المؤمنين يَرونَ خالِقَهم يومَ المعادِ ومَن أَنْكرَ ذَلِكَ فلَيْسَ بمؤمِنٍ عندَ المؤمنينَ ا. هـ.
قَوْله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ} أي حسنةٌ مُشرقةٌ {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ترى اللهَ عِيانًا.
(( وإضافةُ النَّظرِ إلى الوَجْهِ الَّذِي هُوَ مَحلُّه فِي هَذِهِ الآْيَةِ، وتَعدِّيه بأداةِ (( إلى ) )الصَّريحةِ فِي نظرِ العينِ، وإخلاءِ الْكَلاَمِ مِن قرينةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بالنَّظرِ المضافِ إلى الوَجْهِ المُعدَّى بإلى خلاف حقيقِته وموضوعه صريحٌ فِي أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى أرادَ بذَلِكَ نَظرَ العَينِ التي فِي الوَجْهِ إلى لنفسِ الرَّبِّ جل جلاله فإِنَّ النظرَ له عِدَّةُ استعمالاتٍ بحسبِ صلاتِه وتَعدِّيه بنفسِه فإِنْ عُدِّيَ بنفسِه فمعناه التَّوقُّفُ والانْتظارُ. كقَوْلِه: {اِنْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} وإِنْ عُدِّيَ بفِي فمعناه التَّفكُّرُ والاعتبارُ كقَوْله: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} وإِنْ عُدِّيَ بإلى فمعناه المُعاينةُ بالأبْصارِ. كقَوْلِهِ: {انْظُرُوا إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ} فكَيْفَ إذا أُضيفَ إلى الوَجْهِ الَّذِي هُوَ محلُّ البَصرِ.
(( وقد أخْرجَ عبدُ بنُ حُميدٍ عَن عِكرمةَ إِنْكارَ الرُّؤيةِ. ويُمْكِنُ الجمْعُ بالحَمْلِ عَلَى غيرِ أَهْلِ الجَنَّةِ وأخَرجَ بسندٍ صحيحٍ عَن مُجاهدٍ: ناظِرةٌ: تنظرُ الثَّوابَ. وعَن أبي صالحٍ نحوُه. وأوْردَ الطَّبريُّ الاختلافَ فقَالَ: الأوْلى بالصَّوابِ ما ذكَرْناه عَن الحسنِ وعِكرمةَ وهُوَ ثبوتُ الرُّؤيةِ لمُوافقِته الْأَحَادِيثَ الصَّحيحةَ. وبالَغَ ابنُ عبدِ البرِّ فِي رَدِّ الَّذِي نُقِلَ عَن مُجاهدٍ. وقَالَ: هُوَ شذوذٌ وقد تَمسَّكَ به بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ. وتَمَسَّكوا أيضًا بقَوْلِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ سؤالِ جبريلَ عَن الإسلامِ والإيمانِ والإحْسانِ.
وفيه: أَنْ تَعبدَ اللهَ كَأَنَّك تراه فإِنْ لم تكن تَراهُ فإِنَّه يَراكَ. وتُعُقِّبَ بإِنَّ المَنْفِِيَّ فيه رُؤيتُه فِي الدُّنيا لإِنَّ العبادَةَ خَاصَّةٌ بها. فلو قَالَ قائلٌ: إِنَّ فيه إشارةٌ إلى جوازِ الرُّؤيةِ فِي الآخرةِ لِما أبعدَ. وقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إذا ثَبَتَ أَنَّ (( ناظِرةٌ ) )هنا بمعنى (( رَائِيةٍ ) )انْدفعَ قَوْلُ مَن زَعَمَ إِنَّ المعنى ناظرةٌ إلى ثوابِ ربِّها لإِنَّ الأصلَ عدمُ التَّقديرِ. وأُريدَ منطوقُ الآْيَةِ فِي حقِّ المؤمنين بمفهومِ الْآيَةِ الأخْرى فِي حقِّ الكافِرينَ {إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} وقَيَّدَها بالقِيامَةِ فِي الآيتين إشارةٌ إلى أَنَّ الرُّؤْيةَ تَحصلُ للمؤمنين فِي الآخرةِ دونَ الدُّنيا ا. هـ وقدْ أخْرَجَ أبو العّبَّاسِ السَّرَّاجُ عَن مالكِ بنِ أَنَسٍ وقِيلَ له يا أبا عبدِ اللهِ: قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} يَقُولُ قومٌ إلى ثَوابِه؟ فقَالَ كََذَبوا فأين هم عَن قَوْلِه تَعَالَى: {إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} ومِن حَدِيثِ النَّظرِ إِنَّ كُلَّ موجودٍ يصِحُّ أَنْ يُرى. وهَذَا عَلَى سبيلِ التَّنزلِ وإلا فَصفاتُ الخالقِ لا تُقاسُ عَلَى صفاتِ المخْلُوقين. وَتَعَقَّبَ ابنُ التِّينِ مَن زَعَمَ أَنَّ الرُّؤْيةِ بمعنى الْعِلْمِ تَتعدَّى إلى مَفعولين تَقُولُ: رأيتُ زَيدًا فَقيهًا - أي عَلِمتُه - فإِنْ قُلتَ رأيتُ زَيدًا مُنطَلِقًا لم يُفهمْ منه إلا رؤيةُ البصرِ. ويَزيدُهُ تَحقيقًا قَوْلُه فِي الخبرِ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا، لإِنَّ اقترَانَ الرُّؤْيةِ بالعِيانِ لا يَحتملُ أَنْ تَكُونَ بمعنى الْعِلْمِ. وقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: ذَهبَ أَهْلُ السُّنَّةِ وجمهورُ الأُمَّةِ إلى جوازِ رؤيةِ اللهِ فِي الآخرةِ. وَمَنعَ الخوارجُ والْمُعْتَزِلَةث وبَعْضُ المُرجئةِ، وتَمَسَّكُوا بإِنَّ الرُّؤْيةَ تُوجبُ كَوْنَ المرئيِّ مُحدثًا وحَالاًّ فِي مكَانٍ. وأوَّلُوا قَوْلَه (( ناظِرَةٌ ) )بِمُنتظرةٍ وهُوَ خطأٌ لإِنَّه لا يَتعدَّى (( بإلى ) )وما تَمسَّكوا به فاسِدٌ لقيامِ الأدِلَّةِ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى موجودٌ. والرُّؤْيةُ فِي تَعلُّقِها بالمرئِيِّ بِمنزلةِ الْعِلْمِ فِي تعلُّقِه بالمعلومِ فإذا كَانَ تَعلُّقُ الْعِلْمِ بالمعلومِ لا يُوجبُ حُدوثَه فكذَلِكَ المَرْئِيُّ.
(( وأما ما رُوِيَ عمَّن تَأوَّلَ ذَلِكَ بإِنَّ الْمُرَادَ بإلى مُفردُ الآلاءِ؛ وهِيَ النِّعمُ فقد أبْعَدَ النَّجعةَ وأبطلَ فيما ذَهب إليه. وأين هُوَ مِن قَوْلِه تَعَالَى: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} قَالَ الشَّافِعِيُّ رحِمَه اللهُ: ما حُجِبَ الفُجَّارُ إلا وقد عُلِم أَنَّ المؤمنين يَرونه عز وجل. ثُمَّ تواتَرَتِ الأخبارُ عَن رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما دَلَّ عَلَيْهِ سياقُ الآْيَةِ الكريمةِ وهِيَ قَوْلُه: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} .
وقَوْلُه: {عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ} الأرائكُ جمْعُ أريكةٍ. وهِيَ سريرٌ مفروشٌ.
قَالَ فِي الصِّحاحِ الأريكةُ: سريرٌ مُتَّخذٌ مُزيَّنٌ فِي قُبَّةٍ أو بيتٍ. والجمْعُ الأرائِكُ.
وقَالَ الأزْهَرِيُّ الأريكةُ: كُلُّ ما يُتَّكأُ عَلَيْهِ. (يَنظُرُونَ) إلى وَجْهِ اللهِ وهُوَ أفضلُ نَعيمِ أَهْلِ الجَنَّةِ. فأَهْلُ الجَنَّةِ فِي النَّعيمِ، والكُفَّارُ فِي الجحيمِ مَحجوبونَ عَن رؤيةِ اللهِ.
(( فجَمَعَ عليهم بينَ نَوعَي العذابِ عذابِ النَّارِ وعذابِ الحِجابِ عنه سُبْحَانَهُ كما جمَعَ لأوْلِيائِهِ بين نَوْعي النَّعيمِ نَعِيمِ التَّمتُّعِ بما فِي الجَنَّةِ وَنعيمِ التَّمتُّعِ برؤيتِه. وذكرَ سُبْحَانَهُ هَذِهِ الأَنْواعَ الأربعةَ فِي هَذِهِ السُّورةِ فقَالَ فِي حقِّ الأبرارَ: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ} ولقد هَضَمَ معنى الآْيَةِ مَن قَالَ: ينظرونَ إلى أعدائِهم يُعذَّبونَ، أو يَنظرونَ إلى قُصورِهم وبَساتِينِهم؛ أو يَنظرُ بعضُهم إلى بَعْضٍ! وكُلُّ هَذَا عدولٌ عَن المقصودِ إلى غيرِه. وإِنَّما المعنى ينَظرونَ إلى وَجْهِ ربِّهم ضِدَّ حالِ الكُفَّارِ الذين هم عَن ربِّهم لَمحجوبون {ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ} ، وتأمَّلْ كَيْفَ قابَلَ سُبْحَانَهُ ما قالَه الكُفَّارُ فِي أعدائِهم فِي الدُّنْيا وسَخِروا به منهم بِضِدِّه فِي القِيامَةِ فإِنَّ الكُفَّارَ كَانُوا إذا مَرَّ بهم المُؤمنونَ يَتغامَزُون ويَضحكُونَ منهم {وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاَءِ لَضَالُّونَ} فقَالَ تَعَالَى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنوا مِن الكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} مقابَلةً لِتَغامُزِهم وضَحِكِهم منهم. ثُمَّ قَالَ: {عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ} فأطْلقَ النَّظرَ ولم يُقيِّدْه بمنظورٍ دونَ منظورٍ. وأعَلَى ما نَظرَ إليه وأجَلُّه وأعْظَمُه هُوَ اللهُ سُبْحَانَهُ. والنَّظرُ إليه أجَلُّ أَنْواعِ النَّظرِ وأفْضلُها وهُوَ أعَلَى مراقبِ الهدايةِ. فقابَلَ بذَلِكَ قولَهم {إِنَّ هَؤُلاَءِ لَضَالُّونَ} فالنَّظرُ إلى الرَّبِّ سُبْحَانَهُ مُرادٌ مِن هذين المَوْضوعين ولابُدَّ. إمَّا بخُصوصِه وإما بالعمومِ والإطلاقِ. ومَن تَأمَّلَ السِّياقَ لم يجدِ الآيتين تَحْتملانِ غيرَ إرادةِ ذَلِكَ خُصوصًا أو عُمومًا.
قَوْلُه: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} الْحُسنى الجَنَّةُ وما شاء اللهُ مِن الثَّوابِ.
والزِّيادةُ النَّظرُ إلى وَجْهِ اللهِ. وفِي الجَنَّةِ ما لا عينٌ رأتْ ولا أُذنٌ سَمِعتْ ولا خَطرَ عَلَى قلبِ بَشَرٍ كما قَالَ تَعَالَى: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وأعَلَى ما أُعطيه أَهْلُ الجَنَّةِ مِن النَّعيمِ النَّظرُ إلى وَجْهِ اللهِ كما روى مُسْلِمٌ فِي صحيحِهِ عَن صُهيبٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} قَالَ: إِذَا َدَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأَهْلُ النَّارِ النَّارَ نَادَى مُنَادٍ:
يا أَهْلَ الجَنَّةِ إِنَّ لكم عندَ اللهِ مَوْعِدًا ويُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ. فيَقُولُونَ ما هُوَ؟ ألمْ يُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وُيُثَقِّلْ مَوازِينَنَا وَيُدْخِلْنا الجَنَّةَ وَيُزَحْزِحْنَا مِن النَّارِ؟ قَالَ فَيُكْشَفُ الحِجَابُ فَيَنْظُرونَ إليه فواللهِ ما أعَطَاهُمُ اللهُ شَيْئًا أَحَبَّ إليهم مِن النَّظَرِ إليه وهِيَ الزِّيادةُ. وبذَلِكَ فَسَّرَهَا الصَّحَابَةُ والتَّابِعونَ وأئمَّةُ الإسلامِ (( وقَالَ غيرُ واحدٍ مِن السَّلَفِ فِي الآْيَةِ: {يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ} وبعد النَّظرِ إليه، ولمَّا عَطفَ سُبْحَانَهُ الزِّيادةَ عَلَى الُحسنَى التي هِيَ الجَنَّةُ دَلَّ عَلَى أَنَّها أمْرٌ آخرُ وراءَ الجَنَّةِ، وقَدرٌ زَائِدٌ عليها. ومَن فَسَّرَ الزِّيادةَ بالمَغْفِرَةِ والرِّضْوانِ فهُوَ مِن لوازمِ رؤيةِ الرَّبِّ تبارك وتَعَالَى ) )
(( وهذا الباب من تدبر؟ في كتاب الله كثير من تدبير القرآن طالبًا للهدى منه تبين له طريق الحق. فصل في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فالسنة تفسير القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه، وما وصف به الرسول ربه الأحاديث الصحاح التى تلاقها أهل المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها كذلك ) ).
ثَبَتَ فِي السُّنَنِ عَن المِقدامِ بنِ مَعديِ كَرِبَ رضي اللهُ عنه قَالَ قَالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلاَ وإِنَّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ. ألا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانَ مُتَّكِئًا عَلَى أَريكَتِهِ يَقُولُ: عليكمْ بهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فيه مِن حَلالٍ فأَحِلُّوهُ ومَا وَجَدْتُمْ فيه مِن حَرامٍ فَحَرِّمُوهُ. قَالَ التِّرمذِيُّ: حَدِيثٌ حسنٌ. وقَالَ الأوْزاعِيُّ عَن حَسَّانَ بنِ عَطَيَّةَ: كَانَ جبريلُ يَنزلُ بالْقُرْآن والسُّنَّةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويُعلِّمُه إيَّاها كما يُعلِّمُه الْقُرْآنَ. وَكَما وُصِفَ اللهُ بالصِّفاتِ العُلَى فِي الْقُرْآنِ كذَلِكَ جاءتِ السُّنَّةُ طاَفحِةً بذَلِكَ. وهِيَ موافِقةٌ للقُرْآنِ. لا تخُالِفُه أصْلًا، وأَهْلُ السُّنَّةِ يُؤمنونَ بذَلِكَ كُلِّه.
وأما أَهْلُ البِدعِ فقد خَالفُوا فِي ذَلِكَ وَرَدُّوا نُصوصَ السُّنَّةِ وقَالُوا: لا نَقبلُ أخبارَ الإلحادِ فِي المسائلِ الاعتِقاديَّةِ. ومنهم مَن رَدَّها بالتَّأْويلاتِ المُتعَسِّفةِ. وأَهْلُ السُّنَّةِ يُؤمنونَ بما جاء فِي الْكِتَابِ والسُّنَّةِ جميعًا.
(( فهَذِهِ الأَحَادِيثُ تُقرِّرُ نصوصَ الْقُرْآنِ وَتكشِفُ مَعانِيها كَشفًا مُفصَّلًا وتُقرِّبُ الْمُرَادَ وتَدفعُ عنه الاحتِمالاتِ وتُفسِّرُ المجُملَ منه وتُبيِّنُه وتُوضِّحُه لِتقومَ حُجَّةُ اللهِ به ويُعلمَ أَنَّ الرَّسُول َ بَيَّنَ ما أُنْزِلَ إليه مِن ربِّه وَأَنَّه بَلَّغ ألفَاظَهُ ومَعانِيه بَلاغًا مُبينًا حَصَلَ به الْعِلْمُ اليقينُ، بلاغًا أقامَ به الحُجَّةَ وقَطَعَ المَعْذِرةَ وَأوْجَبَ الْعِلْمَ وبيَّنَهُ أحْسنَ البَيانِ وَأوضَحَهُ. ولهَذَا كَانَ أئمَّةُ السَّلَفِ وأتْباعُهم يَذكُورنَ الآْيَاتِ فِي هَذَا البابِ ثُمَّ يُتْبعونها بالأَحَادِيثِ المُوافِقةِ لها. كما فَعَلَ البُخارِيُّ، ومَن قَبلَه ومَن بَعدَهُ مِن المصَنِّفِينَ فِي السُّنَّةِ.
(( ونحن نقَوْلُ قَولًا كُلِّيًا نُشْهِدُ اللهَ تَعَالَى عَلَيْهِ وملائكَتَه إِنَّه لَيْسَ فِي حَدِيثِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يُخالفُ الْقُرْآنَ، ولا ما يخُالفُ صَريحَ العقلِ بل كلامُه بَيانٌ لِلْقُرْآنِ وتفسيرٌ له وتَفصيلٌ لما أجْملَهُ. وكُلُّ حَدِيثٍ رَدَّه مَن رَدَّ الحَدِيثَ لزَعْمِه أَنَّه يخُالفُ الْقُرْآنَ فهُوَ موافِقٌ لِلْقُرْآنِ مُطابقٌ له، وغايَتُه أَنْ يَكُونَ زائِدًا عَلَى ما فِي الْقُرْآنِ، وهَذَا الَّذِي أَمَرَ رسولُ اللهِ بقَوْلِه ونهى عَن رَدِّه بقَوْلِه: لاَ أَلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِن أَمْرِي فيَقُولُ لا أَدْرِي! مَا وَجَدْنَاهُ فِي كِتَابِ اللهِ اتَّبَعْنَاهُ. فهَذَا الَّذِي وَقعَ مِن وضْعِ قاعدةٍ باطِلةٍ له لرَدِّ الأَحَادِيثِ بها بِقولِهم فِي كُلِّ حَدِيثٍ زائدٍ عَلَى ما فِي الْقُرْآنِ: هَذَا زيادةٌ عَلَى النَّصِّ فيَكُونُ نَسْخًا والْقُرْآنُ لا يُنسخُ بالسُّنَّةِ.
فهَذَا بِعينِه الذي حَذَّرَ منه رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ ونَهاهم عنه وأخبَرَهم أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَوْحى إليه الْكِتَابَ ومِثلَهُ مَعَهُ. فَمَن رَدَّ السُّنَّةَ الصَّحيحةَ بغيرِ سُنَّةٍ تَكُونُ مُقاومِةً لها مُتأخِّرةً عنها نَاسِخةً لها فقد رَدَّ عَلَى رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَدَّ وَحْيَ اللهِ.
والمقصودُ إِنَّ أئمَّةَ الإسلامِ جَميعَهم عَلَى هَذِهِ الطَّريقةِ الأخْذِ بحَدِيثِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا صَحَّ ولم يَأتِ بعدَه حَدِيثٌ آخرُ يَنسخُه: ولا يُعارِضُونه بالْقُرْآنِ ولا بالإجْماعِ ويَعْلمونَ أَنَّ هَذِهِ المُعارضةَ مِن أبطلِ الباطلِ )) .
قَوْلهُ مِن الأَحَادِيثِ الصِّحاحِ - أي إِنَّه يجبُ الإيمانُ بما صَحَّ مِن الأَحَادِيثِ أو اتَّفقَ السَّلَفُ عَلَى قَبولِه. فأما ما فِي إسنادِه مقَالٌ واختلفَ العُلماءُ فِي قَبولِه وتأويلِه فإِنَّه لا يُتعرَّضُ له بتقريرٍ بل يُروى فِي الجُملةِ وتُبَيَّنُ حالُهُ.