الصفحة 119 من 204

مثلُ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( يَنْزِلُ رَبُّنا إِلى السَّماءِ الدُّنيا كُلَّ لَيْلَةٍ حينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَن يَدْعوني فَأَسْتَجيبَ لَهُ؟ مَن يَسْأَلُني فَأُعطِيَهُ، مَن يستَغْفِرُنِي فأَغْفِرَ لَه ُ؟ ) ). متَّفَقٌ عليه [1] .

(1) هَذَا حَدِيثٌ عظيمُ الشَّأْنِ تَلقَّاهُ أَهْلُ السُّنَّةِ بالقبولِ. وأفْرَدَهُ غيرُ واحدٍ بالتَّأليفِ، وقَالَ عُثمانُ بنُ سعيدٍ الدَّارِمِيُّ: إِنَّه أَغيظُ حَدِيثٍ للجَهْمِيَّةِ. وفيه إثباتُ نزولِه تَعَالَى عَلَى ما يَليقُ به سُبْحَانَهُ والنزولُ صِفَةٌ فِعليَّةٌ مِن أفعالِ اللهِ الاختِياريَّةِ التي يَفعلُها بمشِيئتِهِ وقُدْرتِه متى شَاءَ وكَيْفَ شَاءَ.

(( ونزولُ الرَّبِّ تبارك وتَعَالَى إلى سماءِ الدُّنْيا قد تَواترتِ الأخبارُ به عَن رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رواه عنه نحوُ ثَمَانِيةٍ وعِشرينَ نَفْسًا مِن الصَّحَابَةِ. وهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّه كَانَ يُبَلِّغُه فِي كُلِّ مَوْطنٍ ومَجْمَعٍ فكَيْفَ تَكُونُ حَقيقتُه مُحالًا وباطِلًا وهُوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتكَلَّمُ بها دَائِمًا ويُعيدُها ويُبدِيها مرَّةً بعدَ مَرَّةٍ ولا يُقرِنُ باللَّفظِ ما يَدُلُّ عَلَى مَجازِه بوَجْهٍ بل يأتي بما يَدُلُّ عَلَى إرادةِ الحقيقةِ كقَوْلِهِ: يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيلَةٍ إلى سماءِ الدُّنْيا فيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلاَلِي لاَ أَسْأَلُ عَن عِبَادِي غَيْرِي. وقَوْلِهِ: مَنْ ذا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، وقَوْلِه فيَكُونُ ذَلِكَ حتى يَطلعَ الفجرُ ثُمَّ يَعْلو كُرْسِيَّهُ فهَذَا كُلُّه بَيانٌ لإرادةِ الحقيقةِ ومَانِعٌ مِن حَمْلِه عَلَى المَجَازِ.

ولِمُسلِمٍ عَن أبي هُرَيْرَةَ وأبي سعيدٍ الخُدريِّ أَنَّهما شَهِدَا عَلَى رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّه قَالَ: إِنَّ اللهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ هَبَطَ إِلَى السَّماءِ الدُّنْيا فَنَادَى: هَلْ مِن مُذْنِبٍ يَتُوبُ؟ هَلْ مِن مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ مِن سَائِلٍ؟ وفِي المُسْنَدِ عَن أبي هُرَيْرَةَ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللهَ يُمْهِلُ حَتَّى إذا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيلِ الأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيا فيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ مَن ذا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ. وفِي بَعْضِ رواياتِ الحَدِيثِ حتى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ، وفِي بَعْضِها حتى تَطْلعَ الشَّمسُ.

(( فهَذِهِ خمسةُ ألفاظٍ تنفِي المَجَازَ: نِسْبَةَ النُّزولِ إليه سُبْحَانَهُ، ونَسْبَةَ القَوْلِ إليه وقَوْلُه: (( أَنَا الْمَلِكُ ) )وقَوْله: (( يَسْتغْفِرَني ) )وقَوْله: (( فَأَغْفِرَ له ) ).

وقَالَ أبو عُمرَ بنُ عبدِ البرِّ: هَذَا حَدِيثٌ ثَابتٌ مِن جِهةِ النَّقلِ صحيحُ الإسنادِ لا يَختلِفُ أَهْلُ الحَدِيثِ فِي صِحَّتِه، وهُوَ حَدِيثٌ منقَوْلٌ مِن طُرقٍ سِوى هَذِهِ مِن أَخبارِ العُدولِ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفيه دليلٌ عَلَى أَنَّ اللهَ عز وجل فِي السَّماءِ عَلَى العرْشِ مِن فوقِ سبعِ سَمَاواتٍ كما قَالَ الجماعةُ، وهُوَ حُجَّتُهم عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ اللهَ فِي كُلِّ مكَانٍ، ولَيْسَ عَلَى العرْشِ ا. هـ.

وفِي بَعْضِ رواياتِ هَذَا الحَدِيثِ: إِنَّ اللهَ يُمهلُ حتى يَمضيَ شطرُ الليلِ الأَوَّلُ ثُمَّ يأمُرَ مُنادِيًا ينُادِي ويَقُولُ: هل مِن دَاعٍ يُسْتَجابُ لَهُ هَلْ مِن مُسْتَغْفِر يُغْفَرُ له هَلْ مِن سَائِلٍ يُعْطَى. رواه النَّسائِيُّ وإسنادهُ ثِقاتٌ. ولا مُنافاةَ بين هَذَا وبينَ قَوْلِه: يَنْزِلُ رَبُّنَا فيَقُولُ. وهل يسوغُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ المنادِيَ يَقُولُ: أنَا الملِكُ ويَقُولُ لا أسألُ عَن عِبادي غَيْرِي ويَقُولُ: مَن يَستغفِرُني فَأغفِرَ له؟! وأيُّ بُعْدٍ فِي أَنْ يأمُرَ مُناديًا يُنادي هل مِن سائلٍ فَيُستجابَ له. ثُمَّ يَقُولُ هُوَ سُبْحَانَهُ: مَن يَسألُني فأستجيبَ له؟ وهل هَذَا ألا أَبْلغُ فِي الكرمِ والإحْسانِ أَنْ يأمرَ مُنادِيَه يَقُولُ ذَلِكَ ثُمَّ يَقُولُ هُوَ سُبْحَانَهُ بنَفْسِه. وتَتَصادقُ الرِّواياتُ كُلُّها عَن رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا نُصدِّقُ بَعْضَها ونُكَذِّبُ ما هُوَ أصَحُّ منه.

قَوْلُه (( حين يَبْقَى ثُلثُ الليلِ الآخِرُ ) )برفعِ الآخِرِ لإِنَّه صِفَةُ الثَّالثِ. ولم تخَتلفِ الرِّواياتُ عَن الزُّهْرِيِّ فِي تَعَيُّنِ الوقتِ. واختلفتِ الرِّوَايَاتُ عَن أبي هُرَيْرَةَ وغيرِه. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: روايةُ أبي هُرَيْرَةَ أصحُّ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ. ويُقَوِّي ذَلِكَ: إِنَّ الرِّوَايَاتِ المُخالفةَ اخْتُلِفَ فِيَهَا عَلَى رُواتِها. وسَلكَ بَعْضُهم طَريقَ الجمْعِ. وذَلِكَ أَنَّ الرِّوَايَاتِ انْحصرتَ فِي سِتَّةِ أشياءَ:

(أوَّلُها) هذه.

(ثَانِيها) إذا مضى الثُّلثُ الأَوَّلُ.

(ثَالِثُها) الثُّلثُ الأَوَّلُ أو النِّصفُ.

(رَابِعُها) النِّصفُ.

(خامِسُها) النِّصفُ أو الثُّلثُ الأخِيرُ.

(سَادِسُها) الإطلاقُ.

فأما الرِّوَايَاتُ المُطلقةُ فهِيَ محمولةٌ عَلَى المُقيَّدةِ. وأما التي بِأَوْ. فإِنْ كَانَتْ (أو) للشَّكِّ فَالمجزومُ به مُقدَّمٌ عَلَى المشْكوكِ فيه. وإِنْ كَانَتْ للتَّردُّدِ بين حَالينِ فُيجمَعُ بين تلك الرِّوَايَاتِ بأَنَّ ذَلِكَ يقعُ بحسبِ اختلافِ الأحوالِ لِكَوْنِ أوقاتِ اللَّيلِ تختلفُ فِي الزَّمَانِ وفِي الآفاقِ باختلافِ تَقدُّمِ دخولِ الليلِ عندَ قومٍ، وتأخُّرِه عند قومٍ. وقَالَ بعضُهم: يُحتملُ أَنْ يَكُونَ النُّزولُ يقعُ فِي الثُّلثِ الأَوَّلِ والقَوْلُ يقعُ فِي النِّصفِ وفِي الثُّلثِ الثَّاني. وقَالَ بَعضُهم: يُحملُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يقعُ فِي جميعِ الأوقاتِ التي وَردتْ بها الأخبارُ. ويُحملُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُعلِمَ بأحدِ الأُمُورِ فِي وقتٍ فَأعلَمهم به. ثُمَّ أُعلِمَ به فِي وقتٍ آخرَ فأعلَمهم به. فَنَقَلَ الصَّحَابَةُ ذَلِكَ عنه واللهُ أعلمُ (( وهَذِهِ الألفاظُ لا تَعارُضَ بينها بحمدِ اللهِ فإِنَّها قد اتَّفقتْ عَلَى دوامِ النُّزولِ الإلهِيِّ إِلَى طلوعِ الفجْرِ. واتفقَتْ عَلَى حُصولِه فِي الشَّطرِ الثّانِي مِن الليلِ. واختلفتْ فِي أوَّلِه عَلَى ثلاثةِ أوْجُهٍ:

(إحداها) إِنَّه أوَّلُ الثُّلثِ الثَّانِي.

(والثَّانِي) إِنَّه أوَّلُ الشَّطرِ الثَّانِي.

(والثَّالثُ) إِنَّه أوَّلُ الثُّلثِ الأخِيرِ.

وإذا تَأمَّلْتَ هاتين الرِّوايتينِ لم تَجِدْ بينهما تَعارُضًا. بَقِيتُ روايةٌ: إذا مضى ثلثُ الليلِ الأَوَّلُ، وهِيَ تَحتملُ ثلاثةَ أوْجُهٍ:

(أحدُها) أَنْ لا تَكُونَ مَحفوظةً، وتَكُونَ مِن قِبلِ حِفْظِ الرَّاوِي. فإِنَّ أكثرَ الأَحَادِيثِ عَلَى الثُّلثِ الأخيرِ.

(الثَّانِي) أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الثُّلثِ الأَوَّلِ والشَّطْرِ والثُّلثِ الأخيرِ عَلَى حَسبِ اختلافِ بِلادِ الإسلامِ فِي ذَلِكَ ويَكُونُ النُّزولُ فِي وقتٍ واحدٍ، وهُوَ ثلثُ اللَّيْلِ الأخيرِ عندَ قَوْمٍ وَوَسطُه عندَ آخَرِين وثلثُه الأَوَّلُ عندَ غَيْرِهم. فيصِحُّ نِسبتُه إِلَى الأوقاتِ الثَّلاثَةِ وهُوَ حاصِلٌ فِي وقتٍ واحدٍ، ولَمَّا كَانَتْ رُقْعةُ الإسلامِ ما بين طَرَفَيِ المشرقِ والمغربِ مِن المعمورِ فِي الأرضِ كَانَ التَّفاوتُ قَرِيبًا مِن هَذَا القدْرِ.

(الثَّالِثُ) إِنَّ للنُّزولِ الإلهِيِّ شَأْنًا عَظيمًا. لَيْسَ شَأْنُه كَشأْنِ غَيرِه. فإِنَّ قدومَ مَلِكِ السَّمَاوَاتِ والأرضِ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيا التي تَلِينا. ولا ريْبَ أَنَّ للسَّمَاواتِ وَأملاَكِها عندَ هُبوطِ الرَّبِّ تَعالَى ونزُولِه إِلَى سماءِ الدُّنْيا شَأْنًا وَحالًا وفِي بَعْضِ الآثارِ: إِنَّ السَّمَاوَاتِ تَأخذُها رَجفةٌ وَيَسجُدُ أهْلُها جَمِيعًا. ومِن عوائدِ الملوكِ - ولله المثلُ الأعَلَى - أَنَّهم إذا أرَادُوا القدومَ إِلَى بلدٍ أو مكَانٍ غيرِ مَكَانِهم المعْروفِ بهم أَنْ يُقدِّمُوا بين يَديْ مُوافاتِهم إليه ما يَنبغِي تَقدِيمُه وهَذَا مِن تمامِ مصالحِ مُلْكِهم. وهكذا شَأْنُ الرَّبِّ تَعالَى أَنْ يُقدِّمَ بين يدَيْ ما يُريدُ فِعلَه مِن الأُمُورِ العِظامِ كِتابةَ ذَلِكَ وإعلامَ ملائكَتِه به وإعلامَ رُسلِه. وإذا كَانَ اللهُ تَعالَى يَتقدَّمُ إِلَى ملائكتِه ورُسُلِه بإعلامِهِم بما يُريدُ فِعْلَه مِن الأُمُورِ العِظامِ. فلا يُنْكَرَ أَنْ يَتقدَّمَ إِلَى أَهْلِ سَمَاواتِه بِنزولِه ويَحْدثَ للسَّماواتِ وللملائكَةِ مِن عَظَمةِ ذَلِكَ الأمْرَِ قَبْلَ وُقوعِه ما يُناسبُ ذَلِكَ الأمْرَ وهكذا يفعلُ سُبْحَانَهُ إذا جاءَ يومَ القِيامَةِ فَتَتناثرُ السَّمَاوَاتُ والملائكةُ قبلَ النُّزولِ. فَيُسَمَّى ذَلِكَ نُزولًا لإِنَّه مِن مُقدِّماتِه ومُتَّصِلًا به كما أطلقَ سُبْحَانَهُ عَلَى وقتِ الزَّلزلةِ والرَّجفةِ المُتَّصِلةِ بالسَّاعةِ أَنَّها يومُ القِيامَةِ والسَّاعةُ. وذَلِكَ موجودٌ فِي الْقُرْآنِ فَمُقدماتُ الشَّيءِ ومَبادِيه كثيرًا ما يَدخُلُ فِي مُسَمَّى اسْمِه وهَذَا الوَجْهُ أقوى الوُجوهِ.

وقَد اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ اللهَ يَنزلُ ويجِيءُ ونحوِ ذَلِكَ عَلَى ما جاءتْ به النُّصُوصُ.

واخْتلفُوا: هل يُقَالُ: يَنزلُ بذاتِه، أو لا يُقَالُ ذَلِكَ؟ قِيلَ: ينْزِلُ بذَاتِه قاله الإِمَامُ أبو القاسمِ مِن الشَّافِعِيَّةِ؛ وهُوَ قَوْلُ طَائفةٍ مِن أَهْلِ الحَدِيثِ والسُّنَّةِ والصُّوفِيَّةِ والمُتَكلِّمينَ. وَرُوِي فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ مرفوعٌ لا يَثبتُ رَفْعُه. وقالتْ طائفةٌ منهم لا يَنزِلُ بِذاتِه، وقالتْ فِرقةٌ أخرى: نَقُولُ: يَنزِلُ ولا نَقُولُ بذاتِه ولا بغيرِ ذاتِه بل نُطْقُ اللَّفظِ كما أطْلَقه رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

والقَوْلُ بإِنَّه يَخْلو منه العَرْشُ قَوْلٌ ضَعيفٌ (( وفِي الجُملةِ فالقائِلُونَ بأَنَّه يخلُو منه العرشُ طائفةٌ قَليلةٌ مِن أَهْلِ الحَدِيثِ، وجُمهورُهم عَلَى أَنَّه لا يَخلُو منه العرشُ، وهُوَ المأثورُ عَن الأئمَّةِ المُعروفينَ بالسُّنَّةِ. ولم يُنقلْ عَن أحدٍ منهم بإسنادٍ صحيحٍ، ولا ضعيفٍ أَنَّ العرْشَ يَخلو منه وكثيرٌ مِن أَهْلِ الحَدِيثِ يَتوقَّفُ عَلَى أَنْ يُقَالَ يَخْلُو أو لا يَخلُو. . وأمَّا الجَزْمُ بخلُوِّ‍العرشِ فلم يَبلغْنا إلا عَن طائفةٍ قليلةٍ منهم. والقَوْلُ الثَّالثُ وهُوَ الصَّوابُ، وهُوَ المأثورُ عَن سلفِ الأُمَّةِ وأئِمَّتِها أَنَّه لا يزالُ فوقَ العرشِ ولا يخلُو العرشُ منه مَعَ دُنُوِّه ونُزولِه إِلَى سماءِ الدُّنْيا، ولا يَكُونُ العرشُ فَوقَه وكذَلِكَ يومَ القِيامَةِ. كما جاءَ به الْكِتَابُ والسُّنَّةُ. ولَيْسَ نزولُهُ كنزولِ أجسامِ بني آدَمَ مِن السَّطحِ إِلَى الأرضِ بحَيْثُ يَبقى السَّقفُ فَوقَهم، بل اللهُ مُنَزَّهٌ عَن ذَلِكَ.

(( قَوْلهُ (( فَأَسْتجِيبَ له ) )بالنَّصبِ عَلَى جوابِ الاستفهامِ، وبالرَّفعِ عَلَى الاستئنافِ. وكذا قَوْلُهُ (( فَأُعْطِيَهُ ) (( أَغْفِرَ ) )له وليسَتْ السِّيُن فِي قَوْلِهِ (( فَأَسْتَجِيبَ له ) )للطَّلبِ بل أَسْتجِيبُ بمَعْنى أُجيبُ. قَالَ أبو الْوَفاءِ ابنُ عَقِيلٍ: قَد نَدَبَ اللهُ إِلَى الدُّعاءِ وفِي ذَلِكَ مَعَانٍ (أَحَدُها) الوجودُ فإِنَّ مَن لَيْسَ بِمَوجودٍ لا يُدْعَى (الثَّانِي) الْغِنَى. فإِنَّ الفَقِيرَ لا يُدعى (الثَّالِثُ) السَّمْعُ فإِنَّ الأصَمَّ لا يُدْعَى.

(الرَّابِعُ) الكرمُ فإِنَّ البخيلَ لا يُدْعَى. (الخَامِسُ) الرَّحمةُ فإِنَّ القاسِيَ لا يُدْعَى. (السَّادِسُ) القُدرةُ فإِنَّ العاجِزَ لا يُدْعَى ا. هـ (( قَوْلُه مَنْ يَدْعُوني ) )إلخ لم تَختلفِ الرِّوَايَاتُ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي الاقتصارِ عَلَى الثَّلاثةِ المذكورةِ وهِيَ الدُّعاءُ والسُّؤالُ والاستغفارُ.

والفرْقُ بين الثَّلاثةِ: أَنَّ المطلوبَ إمَّا لِدفعِ المَضَارِّ، أو جَلْبِ المَسَارِّ. وذَلِكَ إمَّا دِينيٌّ، وإِمَّا دُنيويٌّ. ففِي الاستغفارِ إشارةٌ إِلَى الأَوَّلِ، وفِي السُّؤالِ إشارةٌ إِلَى الثَّانِي، وفِي الدُّعاءِ إشَارةٌ إِلَى الثَّالثِ. وقَالَ الكَرْمَانِيُّ: يُحْمَلُ أَنْ يُقَالَ: الدُّعاءُ ما لاَ طلبَ فيه نحوَ باللهِ، والسُّؤالُ الطَّلبُ. وأَنْ يُقَالَ: المقصودُ واحِدٌ وإِنْ اخْتَلفَ. اِنْتَهَى. وزاد سعيدٌ عَن أبي هُرَيْرَةَ: وهل مِن تائبٍ فَأَتوبَ عَلَيْهِ. وزاد أبو جَعْفرٍ عنه. مَنْ ذا الَّذِي يَسْتَرْزِقُنِي فَأَرْزُقَهُ مَنْ ذا الَّذِي يَسْتَكْشِفُ الضُّرَّ فَأَكْشِفَ عنه. وزَادَ عطاءٌ مَوْلى أُمِّ صُبَيَّةَ عنه أَلاَ سَقِيمٌ يَسْتَشْفِِي فَيُشْفَى. وَمَعانِيها دَاخِلةٌ فيما تَقَدَّمَ. وزاد سعيدُ بنُ مُرْجَانَةَ: مَنْ ذا الَّذِي يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيمٍ. ولا ظَلُومٍ. وفيه تَحْريضٌ عَلَى عملِ الطَّاعةِ وإشارةٌ إِلَى جزيلِ الثَّوابِ عليها. وزادَ حَجَّاجُ بنُ أبي مَنيعٍ عَن جَدِّه عَن الزُّهْرِيِّ سَندَ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي آخرِ الحَدِيثِ: حتى الفَجْرِ. وفِي روايةِ يحيى بنِ أبي كَثيرٍ عندَ مُسْلِمٍ. حتى يَنْفَجِرَ الفَجْرُ. وفِي روايةِ مُحَمَّدِ بنِ عُمرَ بنِ سَلَمَةَ: حتى يَطلعَ الفجرُ. وكذا اتَّفقَ مُعظمُ الرُّواةِ عَلَى ذَلِكَ إلا أَنَّ فِي روايةِ نافعِ بنِ جُبيرٍ عَن أبي هُرَيْرَةَ عندَ النَّسائِيِّ حتى تُرَجَّلَ الشَّمسُ. وهِيَ شَاذَّةٌ. وزادَ يُونسُ فِي رِوايتِه عَن الزُّهْرِيِّ فِي آخرِه أيضًا: ولذا كَانُوا يُفضِّلونَ صلاةَ آخرِ اللَّيْلِ عَلَى أوَّلِه. أَخْرَجَها الدَّارَقُطنيُّ أيضًا. وله مِن روايةِ ابنِ سَمْعَانَ عَن الزُّهْرِيِّ ما يُشيرُ إِلَى أَنَّ قائِلَ ذَلِكَ هُوَ الزُّهْرِيُّ. وفِي الحَدِيثِ مِن الفوائدِ: تفضيلُ صلاةِ آخِرِ اللَّيْلِ عَلَى أوَّلِه، وأَنَّ آخِرَ اللَّيْلِ أفضلُ للدُّعاءِ والاستغفارِ يَشهدُ له قَوْلُه: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ}

وأَنَّ الدُّعَاءَ فِي ذَلِكَ الوقتِ مُجابٌ. ولا يُعترضُ عَلَى ذَلِكَ بِتخلُّفِه عَن بَعْضِ الدَّاعينَ لإِنَّ سببَ التَّخَلُّفِ وقوعُ الخللِ فِي شَرْطٍ مِن شُروطِ الدُّعَاءِ كالاحترازِ فِي المَطْعمِ والمَشْربِ. أو لاستعجالِ الدَّاعِي، أو بأَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ بِإِثْمٍ أو قَطيعةِ رَحمٍ أو تَحصلُ الإجَابةُ وَيتأخَّرُ وجودُ المطلوبِ لِمصْلحةِ العبدِ أو لأمْرٍ يُريدُه اللهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت