فهرس الكتاب
* إثبات صفة الفرح *
وقَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبِدِهِ المُؤِمِنِ التَّائِبِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِرَاحِلَتِهِ ) ). الحديث مُتَّفَقٌ عليِه [1] .
(1) روى هَذَا الحَدِيثََ جماعةٌ مِن الصَّحَابَةِ منهم ابنُ مسعودٍ وأَنَسُ بنُ مالكٍ وأبو هُرَيْرَةَ والبراءُ بنُ عازبٍ والنُّعمانُ بنُ بَشيرٍ وغَيْرُهم. ولفظُ حَدِيثِ ابنِ مسعودٍ عندَ البُخارِيِّ فِي الدَّعواتِ. عَن الحارثِ بنِ سُوَيْدٍ. قَالَ: حَدَّثَنا عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ حَدِيثينِ أحَدُهما عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والآخرُ عَن نَفْسِه قَالَ: إِنَّ المؤمِنَ يَرى ذُنوبَه كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تحتَ جَبلٍ يخافُ أَنْ يَقعَ عَلَيْهِ، وإِنَّ الفاجِرَ يَرَى ذنُوبهَ كذُبابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِه فقَالَ به هكذا - قَالَ أبو شِهابٍ - بيدِهِ فوقَ أَنْفِه - ثُمَّ قَالَ: اللهُ أفْرَحُ بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ مِن رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلًا، وبِهِ مَهْلَكَةٌ ومَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَوَضَعَ رَأْسَهُ فنَامَ نَوْمَةً، فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ حَتَّى اشْتَدَّ عَلَيْهِ الحَرُّ وَالْعَطَشُ ما شَاءَ اللهُ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي فَنَامَ نَوْمَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فإذا رَاحِلَتُه عِنْدَهُ.
وعَن أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: للهُ أفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِن أحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ وقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضٍ فَلاَةٍ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ ولِمُسْلِمٍ: للهُ أَشَدُّ فَرَحًا بتوبةِ عَبدِه حينَ يتوبُ إليه مِن أحدِكم كَانَ عَلَى راحِلَتِه بِأرْضٍ فَلاةٍ فَانْفَلَتَتْ منه وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا وَقَدْ أَيِسَ مِن رَاحِلَتِه فَبيْنَمَا هُوَ كذَلِكَ إذ هُوَ بها قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِن شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وأَنَا رَبُّكَ، أخْطَأَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ. وفِي حَدِيثِ البراءِ عندَ مُسْلِمٍ قَالَ قَالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ تَقُولُونَ بِفَرَحِ رَجُلٍ انْفَلَتَتْ مِنْهُ رَاحِلَتُهُ بِأَرْضٍ قَفْرٍ لَيْسَ بِهَا طَعَامٌ وَلاَ شَرَابٌ، وَعَلَيْهَا لَهُ طَعَامٌ وشَرَابٌ فَطَلَبَها حتَّى شَقَّ عَلَيْهِ ثُمَّ مَرَّتْ بِجِذْعِ شَجَرَةٍ فَتَعَلَّقَ زِمَامُهَا فَوَجَدَهَا مُتَعَلِّقَةً بِه، قلنا: شَدِيدًا يا رسولَ اللهِ. فقَالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا واللهِ للهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتوبَةِ عَبْدِه مِن الرَّجُلِ بِرَاحِلَتِه.
وفِي هَذَا الحَدِيثِ: إثباتُ صِفَةِ الفرحِ للهِ وأَنَّه تَعالَى يَفرحُ بتوبةِ عبدِهِ. والفرحُ صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ اخْتِيارِيَّةٌ.
(( وقد ثَبَت فِي الصِّحاحِ مِن غيرِ وَجْهٍ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللهَ يَفْرَحُ بِتَوْبَةِ التَّائِبِ أَشَدَّ مِن فَرَحِ مَنْ فَقَدَ رَاحِلَتَهُ بِأَرْضٍ دَوِيَّةٍ مُهْلِكَةٍ ثُمَّ وَجَدَهَا بَعْدَ الْيَأْسِ فهَذَا الفرحُ منه لِتوْبَةِ التَّائبِ يُناسِبُ مَحَبَّتَه له وَمَودَّتَه له ) ).
(( فهَذَا الكَشْفُ والبَيانُ والإيضاحُ لا مَزِيدَ عَلَيْهِ فِي ثبوتِ هَذِهِ الصِّفَةِ، ونَفْيِ الإجْمالِ عنها والاحتمالِ ) )وَفَرَحُه تَعالَى بِتَوبةِ التَّائِبِ لأنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ.
(( وَكُلُّ مَا كانَ مِن صِفةِ الرَّحْمَةِ فَهُوَ غَالبٌ لِمَا كانَ مِن صِفةِ الغَضبِ فَإنَّه سُبحانَه لا يَكونُ إلا رَحِيمًا، وَرحْمَتُهُ مِن لَوازِمِ ذَاتِهِ كَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَحَياتِهِ وَسمعِهِ وبَصرِهِ وإحسانِهِ فَيَستحيلُ أنْ يكونَ على خِلافِ ذَلكَ وليسَ كَذلكَ غَضَبُهُ فَإنَّهُ ليسَ مِن لَوازِمِ ذَاتِهِ، ولا يكونُ غَضْبانَ دائمًا غَضَبًا لا يُتَصوَّرُ انْفِكَاكُهُ. . وَرحْمَتُه وَسِعَتْ كُلَّ شيءٍ، وَغَضَبُهُ لمْ يَسَعْ كُلَّ شيءٍ وهُوَ سُبْحَانَهُ كَتَبَ على نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ولم يَكتبْ علَى نَفسِهِ الغَضَبَ. وَوَسِعَ كُلَّ شيءٍ رَحمةً وَعِلمًا ولمْ يَسَعْ كُلَّ شيءٍ غَضَبًا وانْتِقامًا. . وَقدْ ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِفَرحِهِ بِتَوْبَةِ العَبدِ مَثَلًا، ليسَ في المَفْرُوحِ بِهِ أبلغُ مِنهُ. وهذا الْفَرَحُ إنَّمَا كانَ بِفِعْلِ المَأْمُورِ به وهو التَّوْبَةُ. فقد الذَّنْبِ لِمَا يَترتَّبُ عليه مِن هذا الْفَرَحِ العَظيمِ الذي وَجَدَهُ أحَبَّ إليه مِن فَوَاتِ ما يَكْرَهُ. وليسَ المُرَادُ بذلك أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفرادِ ما يُحِبُّ أحَبَّ إليه مِن فَوَاتِ كُلِّ فَرْدٍ مِمَّا يَكْرَهُ حتَّى تَكُونَ رَكْعَتَا الضُّحَى أحَبَّ إليه مِن فَواتِ قَتْلِ مُسلمٍ. وإنَّمَا المُرادُ أنَّ جِنسَ فِعْلِ المَأمُورَاتِ أفضلُ مِن جِنْسِ تَرْكِ المَحْظُوراتِ، كمَا إذَا فَضَّلَ الذَّكَرَ على الأُنْثَى، والإِنْسِيَّ على المَلَكِ فَالمُرَادُ الجِنْسُ لا الأَعْيَانُ ) ). (( والْفَرَحُ إنَّمَا يكونُ بِحُصُولِ المَحبوبِ والمُذنِبُ كالعبدِ الآبِقِ مِن مَولاهُ الفَارِّ مِنه فإذا تابَ فهو كالعائدِ إلى مَولاه وإلى طَاعتِهِ. وهذا المَثَلُ الذي ضَربَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَيِّنُ مِن مَحَبَّةِ اللهِ وفَرحِهِ بِتَوْبَةِ العبدِ، ومِن كَراهَتِه لِمَعاصِيهِ ما يُبَيِّنُ أنَّ ذلكَ أعظمُ مِن التَّمْثِيلِ بالعبدِ الآبِقِ. فَإنَّ الإنسانَ إذا فَقَدَ الدَّابَّةَ التي عليها طَعامُهُ وشَرابُهُ في الأرضِ المُهْلِكَةِ فإنَّهُ يَحصُلُ عنده ما اللهُ بهِ عَليمٌ مِن التَّأذِّي مِن جِهةِ فَقْدِ الطَّعامِ والشَّرابِ والمَرْكَبِ وَكونِ الأرضِ مَفازةً لا يُمكنهُ الخَلاصُ مِنها وإذا طَلبَها فلم يَجَدْهَا يَئِسَ واطمَأنَّ إلى الموتِ واستيقظَ فوجدها كأنَّ عِندهُ مِن الْفَرَحِ ما لا يُمكنُ التَّعبيرُ عنه بُوجودِ ما يُحبُّهُ ويَرضَاهُ بَعدِ الفَقْدِ المُنَافِي لِذلك. وهذَا يُبَيِّنُ مِن مَحبِّةِ اللهِ للتَّوبةِ المُتضمِّنَةِ الإيمانَ والعملَ الصَّالحَ؛ ومِن كَرَاهتِه لِخِلافِ ذلك ما يَرُدُّ على مُنكِري الفِرقِ مِن الجَهْمِيِّة والقَدرِيِّةِ فإنَّ الطَّائفتينِ تَجعلُ جميعَ الأشياءِ بالنسبةِ إليه سَواءً.
ثُمَّ القَدَرِيِّةُ يقولون: هو يَقصدُ نَفْعَ العبدِ لِكونِ ذلك حسَنًا ولا يَقصدُ الظُّلْمَ لِكونِهِ قَبيحًا. وَالجَهْمِيَّةُ يقولون إذا كان لا فَرْقَ بالنسبةِ إليه بَينَ هذا وهذا امْتَنعَ أنْ يَكونَ عِنده شيءٌ حسنٌ وشيءٌ قبيحٌ. وإنَّما يَرجعُ ذلك إلى أمورٍ إضافيةٍ للعِبَادِ فَالحَسَنُ بالنسبةِ إلى العبدِ ما يُلائمُهُ والقبيحُ بالعكسِ. ومِن هنا جعلوا المحبَّةَ والإرادةَ سَواءً. فلو أثبتوا أنَّه سُبحانه يُحبُّ ويَفْرَحُ بِحُصولِ مَحْبُوبِهِ كما أخبرَ به الرُّسُلُ تَبيَّنَ لهم حِكمتُهُ وتَبَيَّنَ أيضًا أنَّه يَفعلُ الأفعالَ لِحِكْمَةٍ )) .
(( وقَولُهُ في آخِرِ الحديثِ ثمَ قالَ مِن شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهمَّ أنتَ عَبْدِي و أنَا رَبُّكَ. قالَ القاضي عِيَاضٌ فِيه: إنَّ ما قَالَهُ الإنسانُ مِن مِثْلِ هذا في حَالِ دَهشتِهِ وذُهولِه لا يُؤاخذُ بِه. وكذا حِكايتُه عنه على طريقٍ عِلميٍّ وفَائدةٍ شَرعيَّةٍ لا علَى الهَزْلِ والمُحَاكَاةِ والعَبَثِ. ويَدُلُّ على ذلك حِكايةُ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك ولو كانَ مُنكَرًا ما حَاكَاهُ واللهُ أعلمُ.