الصفحة 121 من 204

* إثبات صفتي الضحك والعجب *

(( وقَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( يَضْحَكُ اللهُ إِلى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُما الآخَرَ؛ كِلاهُما يَدْخُلُ الجَنَّةَ. مُتَّقَقٌ عليهِ. وقَوْلُهُ: عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبادِهِ وَقُرْبِ خَيْرِهِ، يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ أَزلينَ قَنِطِينَ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ يَعْلَمُ أَنَّ فَرَجَكُمْ قَرِيبٌ. حديثٌ حسنٌ ) ) [1] .

(1) قَولُهُ يَضحكُ اللهُ الخ تَمَامُ الحَديثِ فَقالوا كيفَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: يُقاتِلُ هذا في سبيلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فَيُسْتَشْهَدُ ثُمَّ يَتوبُ اللهُ على القاتلِ فَيُسْلِمُ فَيُقَاتِلُ في سبيلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فَيُسْتَشْهَدُ. أخرجَاه مِن حديثِ أبي هُريرَةَ، ورَوى الإِمامُ أحمدُ في المُسنَدِ عن أبي هُريرةَ يَبلغُ به النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لَيضحَكُ مِن الرَّجُلينِ قتَلَ أحَدُهما الآخَر، يَدْخُلاَنِ الجنَّةَ جَميعًا. يَقولُ: كانَ كافرًا قَتَلَ مُسلمًا ثُمَّ إنَّ الكَافرَ أسلمَ قبلَ أنْ يَموتَ فَأدخَلَهُمَا اللهُ عَزَّ وجَلَّ الجنَّةَ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مُطَوَّلًا.

قولُهُ (( عَجِبَ رَبُّنَا مِن قُنُوطِ عِبادِهِ ) )رَوى ابنُ مَاجَةَ وابْنُ خُزيمَةَ عن عَائشةَ قالتْ: قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لَيَضحكُ مِن إيَاسَةِ العِبادِ وقُنوطِهِم وقُرْبِه مِنهم، قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، بِأبي أنتَ وأُمِّي أوَ يَضحكُ رَبُّنَا؟ قالَ: إي والذي نَفسي بيدِه إنَّهُ لَيضحكُ، قالتْ فقلتُ إذًا لا يَعدِمُنا خيرًا إذَا ضَحِكَ. وروى عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ في السُّنَّةِ والبَيهقِيُّ والدَّارِمِيُّ عن أبي رَزِينٍ العُقَيْلِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه قالَ: ضَحِكَ رَبُّنَا مِن قُنُوطِ عِبادِه وقُرْبِ غِيَرِهِ قالَ أبو رَزِينٍ أَيَضحكُ الرَّبُّ يا رسولَ اللهِ؟ قال نَعمْ. قال: لن نُعْدَمَ مِن رَبٍّ يَضحكُ خَيرًا.

وفي حديثِ لَقِيط بنِ عامرٍ - الطَّويلِ - وفيه قالَ النبيُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَنَّ رَبُّكَ بمفاتيحَ خَمْسٍ لا يَعلمُها إلا اللهُ - وأشارَ بيدهِ - فقلتُ ما هُنَّ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ. عِلْمُ المَنِيَّةِ: قد عَلِمَ مَنِيَّةَ أحَدِكُم ولا تَعلمُونه وعلمَ المَنِيَّ حِين يكونُ في الرَّحِم قد عَلِمَهُ وما تعلمونه. وعلمَ ما في غَدٍ. قد عَلِمَ ما أنتَ طَاعِمٌ ولا تَعلمُه. وعلمَ يومَ الغَيثِ: يُشْرِفُ عَليكُم أزِِلِيْنَ مُشْفِقَيْنِ فَيَظَلُّ يَضحكُ قد عَلِمَ أنَّ غَوْثَكُم إلى قريبٍ قال لَقِيطٌ. فقلتُ لن نُعْدَمَ مِن رَبٍّ يَضحكُ خيرًا قال وعلمَ يومَ السَّاعَةِ. رَواه عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ في مُسَندِ أبيهِ وأبو الشَّيخِ الأصْبَهَانِيُّ والطَّبَرَانِيُّ وعبدُ اللهِ بنُ حِبَّانٍ وغَيرُهُم.

قَولُه (( مِن قُنُوطِ عِبادِه ) )القُنوطُ اليأسُ مِن الشيءِ والمرادُ هنا اليأسُ مِن نُزولِ المَطرِ، وزَوالِ القَحْطِ. وَالغِيَرُ. بكَسرِ الغَينِ وفتحِ اليَاءِ - أي تَغييرُ الحالِ، وتَبديلُها مِن المَحلِّ والجَدْبِ إلى الرَّخاءِ واليُسْرِ. قال في النَّهايةِ: وفي حديثِ الاستسقاءِ مَن يَكفرْ باللهِ يلقَ الغِيرَ - أي تَغييرَ الحالِ وانتقَالَها مِن الصَّلاحِ إلى الفَسادِ. والغِيَرُ الاسمُ مِن قَولِكَ غَيَّرْتُ الشيءَ فَتغيَّرَ اهـ

(أزْلَيْنِ) الأَزْلُ بِسُكونِ الزَّايِ: الضِّيقُ والحَبْسُ: +وَأَزلَ الرَّجلُ صارَ في ضِيقٍ. وفي النهايةِ. الأزْلُ الشِّدَّةُ والضِّيقُ وقد أََزِلَ الرَّجلُ يَأْزلُ أزْلًا، أي صارَ في ضِيقٍ وجَدْبٍ كأنَّه أرادَ مِن شِدَّةِ يَأسكُم وقُنوطِكُم ا. هـ.

(( فَالأزْلُ بسكونِ الزَّايِ - الشِّدَّةُ. والأَزِلُ على وَزنِ كَتِفٍ. هو الذي أصابه الأزْلُ واشتدَّ به حتَّى كَادَ يَقْنَطُ. وقَولُه فَيظَلُّ (( يَضحكُ ) )هو مِن صفاتِ أفعالهِ سبحانه وتعالى التي لا يُشبهه فيها شَيءٌ مِن مَخلوقَاتِه فإنَّه كَصِفاتِ ذَاتِه )) .

فِفَي هَذينِ الحَديثينِ إثباتُ صِفةِ الضَّحِكِ والعَجَبِ للهِ وهُما من صِفاتِ الأفعالِ الاخْتِيَارِيَّةِ؛ (( وأحاديثُ الضحكِ مُتواترةٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) )وفي الصَّحيحينِ عن ابْنِ مَسعودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال إنَّ آخِرَ أهلِ الجنةِ دُخولًا الجنةَ رجلٌ يَمشي على الصِّراطِ فَينكَبُ مَرَّةً ويَمشي مرَّةً - وفيه - فَيقولُ اللهُ له: أَيُرضيكَ أنْ أُعْطِيَكَ مِن الجنَّةِ مِثلَ الدُّنيا ومِثلَها مَعها؟ قال فيقولُ: أَتَهْزَأُ بِي وأنتَ رَبُّ العِزَّةِ؟ فَضَحِكَ عبدُ اللهِ حتَّى بَانتْ نَواجِذُهُ ثم قال: ألا تَسألوني لِمَ ضَحكتُ: قالوا: لم ضَحكتَ؟ قال لِضَحِكَ رسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قال لنَا رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ألا تَسألوني لِمَ ضَحكتُ؟ قالوا لِمَ ضَحِكتَ؟ قال: لِضَحِكَ الرَّبِ تَباركَ وتَعالَى حِينَ قال: أَتهزَأُ بي وأنتَ رَبُّ العِزَّةِ؟!

والأحاديثُ بذلكَ كثيرةٌ جِدًّا. وفيها الرَّدُّ على الجَهمِيَّةِ والمُعتزلَةِ. وقال نُفَاةُ الصِّفاتِ: إنَّ الضَّحِكَ خِفَّةُ رُوحٍ ولا يَليقُ باللهِ. وقالوا: التَّعَجُّبُ: استعظامٌ للمُتَعَجَّبِ مِنه. وهذا فَاسدٌ. فإنَّ (( قولَ القائلِ ) )إنَّ الضَّحِكَ خِفَّةُ رُوحٍ ليسَ بصحيحٍ وإنْ كان ذلك قَد يُقارنُه. ثُمَّ قولُ القائلِ خِفَّةُ الرُّوحِ إنْ أرادَ به وَصْفًا مَذمومًا فَهَذَا يكونُ لِمَا لا يَنبغي أنْ يُضحكَ مِنه، وإلاَّ فَالضَّحِكُ في مَوضعِه المُناسِبِ له صِفةُ مَدحٍ وكمَالٍ. وإذا قُدِّرَ حَيَّانِ أحدُهما يَضحكُ مِمَّا يُضحكُ مِنه والآخَرُ لا يَضحكُ قَطُّ كانَ الأوَّلُ أكملَ مِن الثَّانِي. ولِهذا قال أبو رُزَيْقٍ العُقَيْلِيُّ: (( لنْ نَعدَمَ مِن رَبٍّ يَضحكُ خَيرًا ) )فَجَعَلَ الأعرَابِيُّ العاقلُ بصحَّةِ فِطرتِه ضِحْكَهُ دَليلًا على إحسانِه وإنعَامِه فَدَلَّ على أنَّ هذا الوَصْفَ مَقرونٌ بالإحسانِ المحمودِ، وأنَّه مِن صفاتِ الكمالِ. والشخصُ العَبوسُ الذي لا يَضحكُ قَطُّ هو مَذمومٌ بذلكَ وقدْ قِيلَ في اليومِ الشَّديدِ العَذابِ أنَّه {يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} . وقدْ رُوِيَ أنَّ الملائكةَ قالتْ لِآدَمَ: حَيَّاكَ اللهُ وَبَيَّاكَ - أي أضحككَ. والإنسانُ حيوانٌ ناطِقٌ ضاحكٌ. وما يُميِّزُ الإنسانَ عن البَهِيمَةِ صِفةُ كَمالٍ فكما أنَّ النُّطقَ صفةُ كمالٍ فكذلك الضحكُ صفةُ كمالٍ، فمَن يَتكلَّمُ أكملُ مِمَّن لا يَتكلَّمُ، ومَن يضحكُ أكملُ مِمَّن لا يَضحكُ. وإذا كان الضَّحِكُ فِينَا مُستلزِمًا لشيءٍ مِن النَّقْصِ فاللهُ مُنَزَّهٌ عن ذلك.

وذلك الأكثرُ مُخْتَصٌّ لا عَامٌّ فليسَ حَقيقةُ الضحكِ مُطلقا مَقرونةً بالنَّقصِ كما أنَّ ذَواتَنَا وصِفاتِنَا مَقرونةٌ بالنَّقصِ، وَوجُودَنَا مَقرونٌ بالنَّقصِ ولا يَلزُم أن لا يكونَ الرَّبُّ موجودًا وأنْ لا تَكونَ له ذَاتٌ. وأما قَولُه: التَّعجُّبُ استِعظامٌ لِلمُتَعَجَّبِ منه فَيقالُ: نَعَمْ. وقد يكونُ مَقرونًا بِجَهلٍ بِسَببِ التَّعَجُّبِ وقد يكونُ لِمَا خَرجَ عن نَظائِرِهِ. واللهُ تعالى بكلِّ شيءٍ عليمٌ. فلا يجوزُ عليه أنْ لا يَعلمَ سببَ ما تَعجَّبَ منه. بل يَتعجَّبُ لِخُروجِهِ عن نَظائِرِهِ تَعظيمًا له. واللهُ تعالى يُعظِّمُ ما هو عَظيمٌ. إما لِعظَمةِ سَببهِ، أو لِعظمتِه فإنَّه وَصفَ بعضَ الخيرِ بأنه عظيمٌ، ووصفَ بعضَ الشَّرِّ بأنه عظيمٌ. فقال تعالى {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} وقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} وقال: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا} وقال: {وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} وقال: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) ولهذا قال تعالى: بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخُرُونَ} على قراءةِ الضَّمِّ فهنا هو عَجِبَ مِن كُفرهِم مع وُضوحِ الأدلَّةِ. وقال النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للذي آثَر هو وامرأتُه ضَيفَهُمَا (( لقد عَجِبَ اللهُ ) )وفي لفظٍ في الصحيحِ (( لقد ضَحِكَ اللهُ الليلةَ مِن صُنْعِكُمَا البَارِحَةَ ) )وقال (( إنَّ الرَّبَّ لَيعجبُ مِن عَبدِهِ إذا قال ربِّ اغفرْ لي فإنَّه لا يَغفرُ الذُّنوبَ إلا أنتَ، يقولُ عَلِمَ عبدي أنَّه لا يَغفرُ الذُّنوبَ إلا أنَا ) )وقال (( عَجِبَ رَبُّكَ مِن شَابٍّ ليستْ له صَبْوَةٌ ) )وقال (( عَجِبَ رَبُّكَ مِن راعِي غَنمٍ على رأسِ شَظِيَّةٍ يُؤذِّنُ ويُقيمُ فيقولُ اللهُ: اُنظروا إلى عَبدي أو كما قال، ونحو ذلك ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت