الصفحة 123 من 204

* نداء الله بصوت مسموع *

وقَوْلُهُ:(يَقُولُ تَعَالى يَا آدَمُ فَيَقولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيُنادي بصَوْتٍ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِن ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا

إِلى النَّارِ). متَّفق عليه. وقوله: (( ما مِنْكُمْ مِن أَحَدٍ إِلاَّ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ وَلَيْسَ بينَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمانٌ. متفق عليه. ) ) [1] .

(1) رَوَى البًخاريُّ ومسلمٌ في صَحِيحيهِما عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ قال: قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقولُ اللهُ تَعالى يومَ القيامةِ: يا آدمُ، فيقولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ فَيُنادِي بِصوتٍ: إنَّ اللهَ يَأمرُكَ أنْ تَخرُجَ مِن ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إلى النَّارِ ‍‍! قال: يا رَبِّ وما بَعْثُ النَّارِ؟ قال مِن كُلِّ ألفٍ - أرَاهُ قال: - تِسْعُمِائَةٍ وتِسعةٌ وتِسعون، فَحِينئذٍ تَضعُ الحاملُ حَمْلَها ويَشيبُ الوَليدُ، وتَرى النَّاسَ سُكَارى وما هُم بِسُكارَى ولكِنَّ عَذابَ اللهِ شَديدٌ فَشَقَّ ذلك على النَّاسِ حتى تَغيرتْ وُجوهُهم قال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ تِسعُمائةٍ وتسعةٌ وتِسعون، ومِنكم واحدٌ أنتم في الأرضِ كالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ في جَنْبِ الثَّوْرِ الأبيضِ، أو كالشَّعْرَةِ البَيضاءِ في جَنْبِ الثَّوْرِ الأسودِ، إنِّي لَأَرْجو أنْ تَكونوا رُبُعَ أهلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا ثُمَّ قال: ثُلُثَ أهلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا ثُمَّ قال. شَطْرَ أهلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا.

ورَوى هذا المعنى جَماعةٌ مِن الصَّحابَةِ مِنهم أبو هريرةَ وابنُ مسعودٍ وأنسُ بنُ مالكٍ وعِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ وعبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهم.

قولُه (( لَبَّيْكَ وسَعديكَ ) ) (( لَبَّيْكَ ) )لَفظٌ مُثنَّى عندَ سِيبَوَيْهِ ومَن تَبِعَهُ. وقال يونسُ: هو اسمٌ مُفردٌ وألِفُه إنَّما انقلبتْ ياءً لاتِّصَالِها بالضَّمِيرِ (كَلَدَيَّ وعَلَيَّ) وَرَدَ بأنَّها قُلِبَتْ ياءً مع المَظْهَرِ. وعن الفَرَّاءِ: وهو مَنصوبٌ على المَصْدرِ وأصلُه لَبَّالَكَ، مُثَنَّى علَى التَّأكيدِ. أيْ إلبَابًا بعدَ إلبابٍ. وهذه التَّثْنِيَةُ ليست حقيقةً. بَلْ هي للتَّكْثِير أو المُبالغَةِ ومعناه: إجابةً بعدَ إجابةٍ أو إجابةً لازمةً وقِيلَ: معنى لَبَّيْكَ: اتِّجَاهِي وقَصْدِي إليكَ مَأخوذٌ مِن قَولِهم: دَارِي تَلبُّ دَارَكَ أي تُواجهُها وقِيلَ: معناه مَحبَّتي لكَ مأخوذةٌ مِن قولِهم: امرأةٌ لَبَّةٌ أيْ مُحِبَّةٌ وقِيلَ: إخلاصِي لكَ مِن قولِهم حبٌّ لُبَابٌ وهو العَرَبُ. وقِيلَ خاضعًا لكَ والأوَّلُ أظْهَرُ وأشْهَرُ )) .

(( وسَعْدَيْكَ مِن المُساعدةِ، وهي المُطاوعَةِ. ومعناها: مُساعدةٌ في طَاعتِكَ وما تُحبُّ بعدَ مُساعدةٍ. قال الحَرْبِيُّ: ولم يُسْمَعْ سَعْدَيْكَ مُفردًا، والتَّثْنِيَةُ في لَبَّيْكَ كالتَّثْنِيَةِ في قولِه تعالى {ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ} وليس المرادُ ما يُشَفِّعُ الوَاحِدَ فَقَطْ. وكذا سَعْدَيْكَ ودَوَالَيْكَ. وقد اشْتَمَلَتْ كلماتُ التَّلْبِيَةِ على فَوائدَ عَظيمةٍ أحدُها: أنَّ قولَه (( لَبَّيْكَ ) )يتضمَّنُ إجابةَ داعٍ دَعاكَ، ومُنادٍ نَاداكَ. ولا يَصِحُّ في لُغَةٍ ولا عَقْلٍ إجابةُ مَن لا يَتكلَّمُ ولا يَدعو مَن أجَابَهُ (الثَّانِيةُ) أنَّها تَتضمَّنُ المَحبَّةَ. ولا يُقالُ لَبَّيْكَ إلا لِمَن تُحِبُّهُ وتُعَظِّمُهُ (الثَّالثَةُ) أنَّها تَتضمَّنُ التزامَ دوامِ العُبوديَّةِ، ولهذا قِيلَ: مِن الإقامةِ. أيْ أنا مُقيمٌ على طَاعتِكَ. (الرَّابِعةُ) أنَّها تَتضمَّنُ الخُضُوعَ والذُّلَّ أيْ خُضوعًا بعدَ خُضوعٍ مِن قولِهم أنا مُلَبٍّ بينَ يَديكَ. أي خاضعٌ ذليلٌ (الخَامسةُ) أنَّها تَتضمَّنُ الإخلاصَ ولهذا قيل: إنَّها مِن اللُّبِّ وهو الخالصُ.

(السَّادِسَةُ) أنَّها تَتضمَّنُ الإقرارَ بسمعِ الرَّبِّ تعالى إذ يَستحيلُ أنْ يقولَ الرَّجُلُ لِمَن لا يَسمعُ دُعاءَهُ لَبَّيْكَ (السَّابعةُ) أنَّها تَتضمَّنُ التَّقَرُّبَ مِن اللهِ تعالى ولهذا قِيل إنَّها مِن الإلبابِ وهو التَّقَرُّبُ.

(( فَيُنادِي ) )بكسرِ الدَّالِ أي اللهُ. وفي رِوايةِ أبي ذَرٍّ بفتحِ الدَّالِ والبناءِ للمجهولِ. ولا يُنافي روايةَ الأكثرِ. فالمُبهمُ في روايةِ أبي ذَرٍّ قد بَيَّنَتْهُ الرِّواياتُ الصَّحيحةُ الأُخرَى.

وأمَّا ما رواه الإمامُ أحمدُ عن ابنِ مسعودٍ: أنَّ اللهَ يَبعثُ يومَ القيامةِ مُنادِيًا: يا آدمُ إنَّ اللهَ يَأمرُكَ - الحديثَ - فَلا مُنافاةَ بينه وبينَ ما تقدَّمَ، إذِ المرادُ - واللهُ أعلمُ - أنَّ النِّداءَ يَقعُ مِن اللهِ ويقعُ مِن المَلَكِ أيضًا.

وقد دَلَّ الحديثُ على أنَّ اللهَ يَتكلَّمُ ويُنادِي بصوتٍ ففيه إثباتُ الصَّوتِ للهِ وأنَّه تعالى يَتكلَّمُ بِحَرْفٍ وصوتٍ. كما قال ابنُ مسعودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَن قَرَأَ القرآنَ فَلَهُ بِكلِّ حرفٍ حسنةٌ والحسنةُ بعَشْرِ أمثالِها أمَا إنِّي لا أقولُ (الم) حرفٌ ولكنْ ألفٌ حرفٌ ولامٌ حرفٌ ومِيمٌ حرفٌ أخرجَه التِّرمذِيُّ وصحَّحهُ.

(( واستدلَّ البخاريُّ في كتابِ خَلْقِ أفعالِ العِبادِ على أنَّ اللهَ يَتكلَّمُ كيف شاء، وأنَّ أصواتَ العِبادِ مُؤلَّفةٌ حرفًا حرفًا فيها التَّطريبُ بالهَمْزِ والتَّرجيعُ بحديثِ أُمِّ سَلمةَ ثُمَّ ساقه عن طَريقِ يَعْلَى بنِ مَمْلَكٍ(بفتحِ الميمِ واللامِ بينهما ميمٌ ساكنةٌ ثم كافٌ) أنَّه سألَ أُمَّ سلمةَ عن قراءةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصَلاتِه فذَكَرَتِ الحديثَ وما فيه ونَعتَتْ قِراءتَه فإذا قِراءتُه حرفًا حرفًا. وهذا أخرجَه أبو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وغيرُهما. وقال عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنُ حنبلٍ في كتابِ السُّنَّةِ: سألتُ أبي عن قَوم يقولون: لمَّا كَلَّمَ اللهُ موسى لم يَتكلَّمْ بصوتٍ فقال أبِي بَلْ تَكَلَّمَ بصوتٍ. هذه الأحاديثُ تُرْوَى كمَا جاءتْ وذَكَرَ حديثَ ابنِ مسعودٍ وغيرِه ))وقولُه (( ما مِنكم مِن أحَدٍ إلا سَيُكلِّمُه ربُّه ليس بينَه وبينَه تَرْجُمَانٌ (( خرَّجاه في الصَّحَيحينِ عن عَدِيِّ بنِ حاتمٍ الطَّائيِّ وتمامُه: ثُمَ يَنظرُ فلا يَرى شيئًا قُدَّامَهُ ثُمَّ يَنظرُ بينَ يَديهِ فَتَستقبِلُه النَّارُ فمَن استطاعَ مِنكم أنْ يَتَّقِيَ النَّارَ ولو شِقَّ تمرةٍ. وفي لفظٍ لهما قال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّقُوا النَّارَ ثُمَّ أعْرضَ وأشاحَ ثُمَّ قال اتَّقُوا اللهَ ثُمَّ أعْرضَ وأشاحَ ثلاثًا حتى ظَنَّنَا أنَّه يَنظرُ إليها ثُمَّ قال: اتَّقُوا النَّارَ ولو بِشِقِّ تمرةٍ فمَن لم يَجَدْ فَبكلمةٍ طَيِّبَةٍ.

(( قولُه ما مِنكم مِن أحَدٍ: ظَاهرُ الخطابِ للصَّحابةِ ويَلتحِقُ بهم المؤمنون كُلُّهُم سَابِقُهم ومُقَصِّرُهُم أشارَ إلى ذَلِكَ ابنُ أبي جَمْرَةَ ) )(( والتَّرْجُمَانُ: بفتحِ التَّاءِ المُثَنَّاةِ وضمِّ الجيمِ ورَجَّحَهُ النَوَوِيُّ في شرحِ مسلمٍ ويجوزُ ضمُّ التَّاءِ اتِّبَاعًا. ويجوزُ فتحُ الجيمِ مع فتحِ أوَّلِه. حكَاهُ الجَوْهَرِيُّ. ولم يُصَرِّحُوا بالرَّابعةِ وهي ضمُّ أوَّلِه وفتحُ الجيمِ.

والتَّرْجُمَانُ: المُعَبِّرُ عن لُغَةٍ وهو مُعَرَّبٌ. وقِيلَ عَرَبِيٌّ )) .

(( وقُدَّامَهُ بضمِّ القافِ وتشديدِ الدَّالِ - أيْ أمَامَهُ وأيمنَ وأشْأَمَ بالنَّصبِ فيهما على الظَّرفيَّةِ. والمرادُ بهما اليمينُ والشِّمالُ. قال ابنُ هُبَيْرَةَ: نَظَرُ اليمينِ والشِّمالِ هنا كالمِثْلِ لِأَنَّ الإنسانَ مِن شَأْنِه إذا دَهَمَهُ أمْرٌ أنْ يَلتفِتَ يَمينًا وشِمالًا يَطلبُ الغَوْثَ.(قُلتُ) ويُحتملُ: أنْ يكونَ سببُ الالتفاتِ أنَّه يَتَرَجَّى أنْ يَجِدَ طَريقًا يَذهبُ فيها لِيحصلَ له النَّجاةُ مِن النَّارِ فلا يَرى إلا ما يُفْضِي بِه إلى النَّارِ.

قولُه ثُمَّ ينظرُ بينَ يَديِه فَتَستقبِلُه النَّارُ قال ابنُ هُبَيْرَةَ: والسَّببُ في ذلك أنَّ النَّارَ تكونُ في مَمَرِّهِ فلا يُمكنُه أنْ يَحِيدَ عنها. إذ لا بُدَّ له مِن المُرورِ على الصِّراطِ. قولُه فمَن استطاعَ مِنكم أن يَتَّقِيَ النَّارَ ولو بِشِقِّ تمرةٍ، زَادَ وَكِيعٌ رِوايتَهُ فَلْيَفعلْ، وفي رِوايةِ عيسى: فاتَّقُوا النَّارَ ولو بِشِقِّ تمرةٍ، أيْ اجعلوا بَينكم وبينَها وِقَايةً مِن الصَّدقةِ وعَملِ البِرِّ ولو بِشيءٍ يَسِيرٍ )) .

(( وشِقُّ التَّمرةِ بكسرِ المُعْجَمَةِ نِصفُها أو جانبُها أيْ ولو كانَ الاتِّقَاءُ بالتَّصدُّقِ بشِقِّ تمرةٍ واحدةٍ فإنَّه يُفيدُ. وفي الطَّبرانِيِّ مِن حَديثِ فَضَالَةَ بنِ عُبيدٍ مرفوعًا: اجعلوا بَينكم وبينَ النَّارِ حِجابًا ولو بِشِقِّ تَمرةٍ. وفي الحديثِ: الحَثُّ على الصَّدقَةِ بِمَا قَلَّ وما جَلَّ وأنْ لا يَحتقِرَ ما يَتَصَدَّقُ بِه وأنَّ اليَسيرَ مِن الصَّدقَةِ يَستُرُ المُتَصِدِّقَ مِن النَّارِ.

قَولُه فإنْ لم يَجدْ فبكلمةٍ طيِّبةٍ. قال ابنُ هُبَيْرَةَ: المُرادُ بالكلمةِ الطَّيِّبَةِ هنا ما يَدُلُّ على هُدًى أو يَرُدُّ عن رَدًى أو يُصلحُ بينَ اثنينِ أو يَفصلُ بينَ مُتنازِعَينِ أو يَحِلُّ مُشكلًا أو يَكشفُ غامضًا أو يَدفعُ ثائِرًا أو يُسَكِّنُ غَضَبًا، واللهُ سُبحانَه وتعالى أعلمُ.

وفي الحديثينِ إثباتُ صفةِ الكلامِ والنِّداءِ للهِ حقيقةً.

(( ولفظُ النِّداءِ الإلهِيِّ قد تَكرَّرَ في الكتابِ والسُّنَّةِ تِكرارًا مُطَّرِدًا في مَحَالِّهِ مُتنوِّعًا تَنَوُّعًا يَمنعُ حَملَهُ على المَجازِ فأخبرَ تعالى أنَّه نادَى الأبوينِ في الجَنَّةِ ونادَى كَلِيمَهُ وأنَّه يُنادِي عِبادَهُ يومَ القيامةِ. وقد ذكرَ اللهُ النِّداءَ في تِسعةِ مَواضِعَ مِن القرآنِ أخبرَ فيها عن نِدائِه بنفسِه. ولا حاجةَ أنْ يُقَيَّدَ النِّداءُ بالصَّوتِ فإنَّه بمعناه وحقيقتِه باتِّفاقِ أهلِ اللُّغَةِ فإذا انتفَى الصَّوتُ انتفَى النِّداءُ قَطْعًا كما في الحديثِ الصّحيحِ الذي رَوَاهُ البخاريُّ عن أبي هُريرةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إذا قضَى اللهُ الأمْرَ في السَّماءِ ضَربتِ الملائكةُ بِأجنحتِها خُضْعانًا لِقَولِه كأنَّه سلسلةٌ على صَفْوَانٍ فإذا فُزِّعَ عن قُلوبِهم قالوا ماذا قال رَبُّكم قالوا الحَقَّ وهو العَلِيُّ الكَبيرُ. وروى أبو داودَ عن عبدِ اللهِ قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا تَكلَّمَ اللهُ بالوحيِ سَمِعَ أهلُ السَّماواتِ صلصلةً كَجَرَّةِ السِّلسلةِ على الصَّفَّاءِ فَيُصعقون ولا يَزالون كذلك حتى يَأتيَهم جِبرائِيلُ فإذا جاءهم جَبرائِيلُ فُزِّعَ عن قلوبِهم فيقولون: يا جِبرائِيلُ ماذا قال رَبُّكَ؟ قال: الحَقَّ فَيُنادِون: الحَقَّ الحَقَّ. وإسنادُه ثِقاتٌ. وقد فَسَّرَ الصَّحابةُ الآيةَ بِمَا يُوافقُ هذا الحديثَ الصَّحيحَ.

فَرَوى ابنُ مَرْدَوَيْهِ عن ابنِ عبَّاسٍ قال: لمَّا أوْحَى الجَبَّارُ جَلَّ جَلالُه إلى محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعا الرَّسولَ مِن الملائكةِ لِيَبعثَه بالوَحيِ فَسمعتِ الملائكةُ صوتَ الجَبَّارِ يَتكلَّمُ بالوَحيِ فَلمَّا كُشِفَ عن قُلوبِهم فَسألوا عمَّا قال اللهُ تعالى، قالوا الحَقَّ عَلِمُوا أنَّ اللهَ لا يقولُ إلا حَقًّا وأنَّه مُنْجِزٌ ما وَعَدَ.

وروى أبو يَعْلى المَوْصِلِيُّ عن عبدِ اللهِ بنِ أُنَيْسٍ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: يَحشرُ اللهُ العِبادَ أو قال يَحشرُ النَّاسَ قال وَأَوْمَأ بِيدِه إلى الشَّامِ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًَا قلتُ وما بُهمًا قال ليس مَعهم شيءٌ قال فَيُنادِيهم بصوتٍ يَسمعُه مَن بَعُدَ كما يَسمعُه مَن قَرُبَ: أنَا المَلِكُ أنَا الدَّيَّانُ، ورَوَاهُ أحمدُ.

ورَوَى البًخاريُّ أوَّلَهُ في الصَّحيحِ مُعَلَّقًا. وفي تَفسيرِ شَيْبَانَ عن قَتَادَةَ {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ} قال: صَوتُ رَبِّ العَالَمِينَ. ذَكرهُ ابنُ خُزَيْمَةَ. والأحاديثُ والآثَارُ عن السَّلفِ في ذلك كثيرةٌ جِدًّا. وتَقدَّمَ حديثُ أبي سعيدٍ في الصحيحِ الذي بَلَّغَنَاهُ الصَّحابَةُ والتَّابِعون وتَابَعُوهم، وسائِرُ الأُمَّةِ تَلَقَّتْهُ بالقَبُولِ. وتَقييدُه بالصَّوتِ إيضاحًا وتأكيدًا كما قُيِّدَ التَّكْلِيمُ بالمصدرِ في قَولِه {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} وفي الصَّحَيحينِ عن أبي هُريرةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إذا أحَبَّ اللهُ عبدًا نادى جِبرائِيلُ: إنَّ اللهَ قد أحبَّ فُلانًا فَأَحِبَّهُ - الحديثَ - والذي تعقِلُه الأُمَمُ مِن النِّداءِ إنَّما هو الصَّوتُ المَسموعِ كما قال تعالى: {وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} وقال: {إَنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} وهذا النِّداءُ هو رَفْعُ أصواتِهم الذي نَهَى اللهُ عنه المُؤمنينَ وأثْنَى عليهم بِغَضِّهَا في قَولِه: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ} الآيةَ. وكُلُّ ما في القرآنِ العظيمِ مِن ذِكْرِ كَلامِه وتَكليمِه وأمرِه ونَهيِهِ، دَالٌّ على أنَّه تَكَلَّمَ حقيقةً لا مَجازًا. وكذلك نُصوصُ الوَحيِ الخَاصِّ كقَولِه {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ} .

وقد نَوَّعَ اللهُ هذه الصِّفةَ في إطلاقِها عليه تَنويعًا يَستحيلُ معه نَفْيُ حَقائِقِها بَلْ ليس في الصِّفاتِ الإلهيَّة أظهرُ من صِفةِ الكلامِ والعُلُوِّ والفِعْلِ والقُدْرَةِ بل حقيقةُ الإرسالِ تَبلغُ كلامَ الرَّبِّ تَباركَ وتَعالَى. وإذا انتَفَتْ مِنه حقيقةُ الكلامِ انتَفَتْ حقيقةُ الرِّسالةِ والنُّبُوَّةِ. والرَّبُّ تَباركَ وتَعالَى يَخلقُ بكلامِه وقَولِه كما قال تعالى (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) فإذا انتَفَتْ حقيقةُ الكلامِ انتَفَى الخَلْقُ. وقد عاب اللهُ آلهةَ المُشركينَ بأنَّها لا تَكَلَّمُ، ولا تُكَلِّمُ عابِديها، ولا تَرجِعُ إليهم قولًا والجَهْمِيَّةُ وصَفَوا الرَّبَّ تَباركَ وتَعالَى بصفةِ هذه الآلهَةِ. وقد ضَربَ اللهُ تعالى لِكلامِه واستمرارِه ودَوامِه المَثَلَ بالبحرِ يَمُدُّهُ مِن بَعدِه سَبْعَةُ أبْحُرٍ وأشْجَارُ الأرْضِ كُلُّهَا أقْلامٌ فَيَفْنَى المِدادُ والأقلامُ ولا تَنفدُ كلماتُه أفَهَذَا صفةُ مَن لا يَتكلَّمُ ولا يَقومُ بِه كلامٌ؟ فإذا كان كلامُه وتَكليمُهُ وخطابُه ونِداؤُه وقَولُه وأمْرُهُ ونهيُه ووصيَّتُه وعَهدُه وإذنُه وحُكمُه وإنباؤُه وإخبارُه وشهادتُه كُلُّ ذلك مَجازًا لا حقيقةً له بَطَلَتِ الحقائِقُ كُلُّها، فإنَّ الحقائقَ إنَّما حُقَّتْ بكلماتِ تَكوينِه (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) فما حُقَّتِ الحقائِقُ إلا بقَولِه وفِعْلِهِ )) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت