فهرس الكتاب
* الاستواء والعلو *
وقَوْلُهُ في رُقْيَةِ المريضِ: رَبَّنا اللهَ الَّذي في السَّماءِ، تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُكَ في السَّماءِ وَالأَرْضِ، كَمَا رَحْمَتُكَ في السَّماءِ. اجْعَلْ رَحْمَتَكَ في الأرْضِ، اغْفِرْ لَنا حُوبَنَا وخَطَايَانا، أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ، أَنْزِلْ رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ، وشِفَاءٍ مِنْ شِفَائِكَ عَلى هذا الوَجِعِ؛ [فَيَبْرَأَ] [حديث حسن] ، رواه أبو داود [وغيره] . وَقَوْلُهُ: (أَلاَ تَأْمَنُوني وَأَنَا أَمِيْنُ مَنْ فِي السَّمَاءِ) . حديثٌ صحيحٌ.
وَقَوْلُهُ: (وَالعَرْشُ فَوْقَ [المَاءِ] ، واللهُ فَوْقَ العَرْشِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ) . [حديثٌ حسنٌ، رواهُ أَبو دَاودَ وغَيْرُهُ] . وَقَوْلُهُ للِجَارِيَةِ: (( أَيْنَ اللهُ ) ). قالَتْ: في السَّمَاءِ. قالَ: مَنْ أَنا؟. قالَتْ: أَنْتَ رَسولُ اللهِ. قالَ: (أَعْتِقْهَا فَإِنَّها مُؤِمِنَةٌ) . رواهُ مسلمٌ [1] .
(1) الحديثُ الأوَّلُ رَوَاهُ أبو داودَ في الطِّبِّ عن فَضَالَةَ بنِ عُبيدٍ عن أبي الدَّرْدَاءِ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: مَنِ اشْتَكَى مِنكم سَيِّئًا أو اشْتَكَاهُ أخٌ له فَلْيَقُلْ: رَبَّنَا اللهُ الذي في السَّماءِ تَقَدَّسَ اسْمُكَ الخ. وقد رَوَاهُ النَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ والحاكمُ والطَّبرانِيُّ. قَولُه تَقَدَّسَ اسْمُكَ أيْ تَنَزَّهَتْ أسمَاؤُكَ عن كُلِّ نقصٍ فهو مُفردٌ مُضافٌ فَيَعُمُّ جَميعَ أسماءِ اللهِ.
والحُوبُ: الإثْمُ. وفي النِّهايةِ: الحُوبُ: الإثْمُ. ومِنه الحديثُ: اغْفِرْ لنَا حُوبَنا أيْ إثْمَنَا - وتُفتحُ الحاءُ وتُضمُّ وقِيلَ: الفتحُ لغةُ الحجازِ، والضَّمُّ لغةُ تَميمٍ ا. هـ
وفي الآيةِ (إنَّه كَانَ حُوبًا كَبِيرًا) ويُقالُ فيه الحَوْبَةُ بفتحِ الحاءِ وآخِرُهُ هاءٌ.
وقَولُه: أنتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ. إضافةُ الرُّبُوبيَّةِ إلى الطَّيِّبِينَ إضافةُ تَشريفٍ وتَكريمٍ وهو سُبحانَه رَبُّ كُلِّ شيءٍ ومَليكُه. كما قال تعالى (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبِّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ) . وقَولُه (( ألا تَأمنُونِي وأنا أمِينُ مَن في السَّماءِ
الخ )) .
هذا الحديثُ خرَّجاه في الصَّحَيحينِ عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ قال: بَعَثَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذُهَيْبَةٍ في أدِيمٍ مَقْرُوضٍ لم تَحصُلْ مِن تُرابِها قال فَقَسَمَها بينَ أربعةٍ، بينَ عُيَيْنَةَ بنِ بَدْرٍ، والأقْرَعِ بنِ حَابِسٍ، وزَيْدِ الخَيلِ، والرَّابِعُ إمَّا عَلْقَمَةُ بنُ عُلُاثَةَ، وإمَّا عامرُ بنُ الطُّفَيْلِ فقال رجُلٌ مِن أصحابِه: كُنَّا نحنُ أحَقُّ بهذا مِن هؤلاءِ! فقالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ألا تَأمنُونِي وأنا أمينُ مَن في السَّماءِ يَأتيني خَبَرُ السَّماءِ صَباحًا ومَساءً. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على عُلُوِّ اللهِ على خَلْقِهِ. وقَولُه (( في السَّماءِ ) )أيْ علا فَوقَها وارتَفَعَ وكذلك الحديثُ قبلَه.
(( وقد حكَى البَيهقيُّ عن أبي بكرٍ الضّبعِيِّ قال: العربُ تَضعُ (( في ) )مَوضِعَ (( على ) )كقَولِه (فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ) وقَولِه (وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) فكذلك قَولُه (( مَن في السَّماءِ ) )أي علَى العَرشِ فوقَ السَّماءِ كما صَحَّتِ الأخبارُ بذلك وقال مِثلَ ذلك غيرُ واحدٍ.
وقَولُه والعرشُ فوقَ الماءِ واللهُ فوقَ العرشِ. هذا الحديثُ رَوَاهُ أبو داودَ في سُنَّتِهِ وأحمدُ في مُسْنَدِهِ وغيرُهما. ولفظُ أحمدَ في المُسْنَدِ عن عبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلَبِ قال: كُنَّا جُلُوسًا مع رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالبَطْحَاءِ فمَرَّتْ سَحابةٌ فقال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أتَدرُونَ ما هذا؟ قال: قُلنا: السَّحابُ. قال: والمُزْنُ. قُلنا: والمُزْنُ. قال: والعَنَانُ. قال: فَسَكَتْنَا. فقال: هل تَدرون كم بينَ السَّماءِ والأرضِ؟ قُلنا: اللهُ ورسولُه أعلمُ. قال بينهما مَسيرةُ خَمْسِمَائةِ سَنةٍ. ومِن كُلِّ سَماءٍ إلى سَماءٍ مَسيرةُ خَمْسِمَائةِ سَنةٍ، +وكِثَفُ كُلِّ سَماءٍ مَسيرةُ خَمْسِمَائةِ سَنةٍ، وفوقَ السَّماءِ السَّابعةِ بحرٌ بينَ أسفلِه وأعلاه كما بينَ السَّماءِ والأرضِ ثُمَّ فوقَ ذلك ثَمانِيةُ أَوْعَالٍ بينَ رُكَبِهِنِّ وأَظْلَافِهِنِّ كما بينَ السَّماءِ والأرضِ ثُمَّ فوقَ ذلك العرشُ بينَ أسفلِه وأعلاه كما بينَ السَّماءِ والأرضِ. واللهُ تَباركَ وتَعالَى فوقَ ذلك. وليس يَخفى عليه مِن أعمالِ بَني آدمَ شيءٌ.
ورَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابنُ مَاجَه وقال التِّرْمِذِيُّ: حَسنٌ غَريبٌ ورَوَاهُ الحاكمُ والبَيهقِيُّ وغيرُهما. وله شَواهِدُ في الصَّحَيحينِ وغيرِهِما ويُسَمَّى حديثَ الأَوْعَالِ وقد أَعَلَّ بَعضُهم هذا الحديثَ بأنَّ في سَندِه الوليدَ بنَ أبي ثَورٍ وقد قال فيه التِّرْمِذِيُّ وغيرُه لا يُحْتَجُّ بحديثِه وبأنَّ فيه عبدَ اللهِ بنَ عُميرةَ قال البخاريُّ لا يُعرفُ له سَماعٌ مِن الأحْنَفِ وقال ابنُ القَيِّمِ أمَّا رَدُّ الحديثِ بالوليدِ بنِ أبي ثَوْرٍ فَفَاسِدٌ فإنَّ الوليدَ لم يَنفردْ به، بل تابعه عليه إبراهيمُ بنُ طَهْمَانَ كِلاهُما عن سِمَاكٍ، ومِن طَريقِه رَوَاهُ أبو داودَ. ورَوَاهُ أيضًا عن عمرِو بنِ أبي قَيْسٍ عن سِمَاكٍ ومِن حديثِه رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عن عبدِ بنِ حُمَيْدٍ أخبرَنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ عن عمرِو بنِ أبي قَيْسٍ.
ورَوَاهُ ابنُ مَاجَه مِن حَديثِ الوليدِ بنِ أبي ثَوْرٍ عن سِمَاكٍ فأيُّ ذَنبٍ للوليدِ في هذا؟ وأيُّ تَعَلُّقٍ عليه؟ وإنَّما ذَنْبُهُ رِوايتُه ما يُخالِفُ قولَ الجَهْمِيَّةِ وهي عِلَّتُه المُؤْثَرَةُ عندَ القومِ اهـ وقال الشَّيخُ في المُناظَرةِ - وقد احْتَجُّوا عليه بقولِ البخاريِّ السَّابقِ: هذا الحديثُ مع أنَّه رَوَاهُ أهلُ السُّنَنِ كأبي داودَ وابنِ مَاجَه والتِّرْمِذِيِّ وغيرِهم فهو مَرويٌّ مِن طَريقينِ مَشهورينِ فَالقَدْحُ في إحدَاهُما لا يَقْدَحُ في الآخَرِ. وقد رَوَاهُ إمامُ الأئِمَّةِ ابنُ خُزَيْمَةَ في كتابِ التَّوحيدِ الذي اشترطَ فيه أنْ لا يحْتَجَّ فيه إلا بِمَا نقلَه العَدْلُ عن العَدْلِ مَوصُولًا إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والإثباتُ مُقَدَّمٌ على النَّفْيِ. والبخاريُّ: إنَّما نَفَى معرفةَ سَماعِه ولم يَنْفِ معرفةَ النَّاسِ بهذا فإذا عُرِفَ غيرُه ما ثبتَ بِه الإسنادُ كانت معرفتُه وإثباتُه مُقَدَّمًا على نَفْيِ غيرِه وعدمِ معرفتِه.
والحديثُ دليلٌ على عُلُوِّ اللهِ على خَلْقِهِ واستوائِهِ على عَرْشِهِ.
وقَولُه للجَاريةِ (( أينَ اللهُ ) )هذا حديثٌ صحيحٌ رُوِيَ مِن طُرُقٍ مُتَواتِرَةٍ عن مُعاويةَ بنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ قال كانتْ لي غَنَمٍ بينَ أُحُدٍ والجوَّانيَّةِ فيها جاريةٌ لي فَأطلعتُها ذاتَ يومٍ فإذا الذِّئْبُ قد ذهبَ بِشاةٍ منها فَأَسِفَتْ فَصَكَكْتُهَا فَأتيتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذكرتُ لَه فَعَظُمَ ذلك عَلَيَّ فقلتُ: يا رسولَ اللهِ. أفَلا أعْتِقُها؟ قال: ادْعُهَا فَدعوتُها فقال لها: أينَ اللهُ؟ قالتْ: في السَّماءِ. قال: مَن أنا؟ قالتْ: أنتَ رسولُ اللهِ. قال: اعْتِقْهَا فإنَّها مُؤمنةٌ. أخرجَه مسلمٌ في صَحيحِهِ ورَوَاهُ أبو داودَ والنَّسائِيُّ وكثيرون مِن الأئِمَّةِ وفي بَعضِ رِوايَاتِهِ فإنها مسلمةٌ ورَوى الإمامُ أحمدُ عن أبي هُريرةَ قال: جاء رجلٌ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجاريةٍ أعجمِيَّةٍ فقال يا رسولَ اللهِ: إنَّ عَلَيَّ عِتقَ رَقبةٍ مُؤمنةٍ أفأعْتِقُ هذه؟ فقال لها رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أينَ اللهُ؟ قال: فأشارتْ إلى رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإلى السَّماءِ - أيْ أنتَ رسولُ اللهِ - فقال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اعْتِقْهَا فإنَّها مُؤمنةٌ. وإسنادُه حسنٌ. ورَوى البَيْهَقِيُّ وابنُ خُزَيْمَةَ عن الشَّرِيدِ بنِ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيِّ قال: قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أُمِّي أَوصَتْ إليَّ أنْ أعتقَ رقبةً وإنَّ عندي جاريةً سوداءَ نُوبِيَّةً فقال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اُدْعُ بها، فقال: مَن رَبُّكِ؟ قالتْ: اللهُ. قال: فَمَن أنا؟ قالتْ: أنتَ رسولُ اللهِ. قال: اعْتِقْهَا فإنَّها مُؤمنةٌ.
وفي الحديثِ دليلٌ على عُلُوِّ اللهِ على خَلْقِهِ واستِوائِهِ علَى عَرشِهِ. وفيه الرَّدُّ علَى الجَهْمِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ وغَيرِهِم مِن النُّفَاةِ.
(( ولَيْسَ فِي الكتابِ والسُّنَّةِ وَصْفٌ لَهُ بأنَّه لاَ داخلَ العالمِ ولا خَارجَهُ ولا مُبَايِنُهُ ولا مُدَاخِلُهُ فَيَظُنَّ المُتوَهِّمُ أنَّه إذا وُصِفَ بالاستواءِ على العرشِ كَانَ استواؤُه كاستواءِ الإنسانِ على ظُهورِ الفُلْكِ والأنعامِ كقَولِه(وَسَخَّرَلَكُمْ مِّنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ) فُيُتخيَّلُ لَهُ أنَّه إذا كَانَ مُستويًا على العرشِ كَانَ مُحتاجًا إِلَيْهِ كحاجةِ المُستوِي على الفُلْكِ والأنعامِ فلَوْ غَرِقَتِ السّفينةُ لَسَقَطَ المُستوِي عليها و لَوْ عَثَرتِ الدَّابَّةُ لَخَرَّ المستوي عليها فقياسُ هَذَا أنَّه لَوْ عُدِمَ العرشُ لَسَقَطَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وتعالَى. ثُمَّ يُريدُ - بزَعمِه - أن يَنفيَ هَذَا فيَقُولَ: لَيْسَ استواؤُه بِقُعودٍ ولا استقرارٍ ولا يُعلمُ أنَّ مُسَمَّى القُعودِ والاستقرارِ يُقالُ فِيهِ مَا يُقالُ فِي مُسمَّى الاستواءِ فإنْ كَانَتْ الحَاجَةُ داخلةً فِي ذَلِكَ فلا فَرقَ بَيْنَ الاستواءِ والقُعودِ والاستقرارِ ولَيْسَ هُوَ بهَذَا المعنَى مُستوِيًا ولا مُستقِرًّا ولا قاعِدًا وإنْ لَمْ يَدخُلْ فِي ذَلِكَ إلاَّ مَا يَدخلُ فِي مُسَمَّى الاستواءِ فإثباتُ أحدِها ونفيُ الآخَرِ تَحَكُّمٌ، وقد عُلِمَ أنَّ بَيْنَ مُسَمَّى الاستواءِ والاستقرارِ والقُعودِ فروقًا مَعروفةً ولَكِنَّ المقصودَ هنا: أنْ يُعلمَ خَطأُ مَن يَنفي الشَّيءَ مَعَ إثباتِ نَظيرِهِ وكَانَ هَذَا الخطأُ مِن خَطَئِهِ فِي مَفهومِ استوائِه على العرشِ حَيْثُ ظَنَّ أنَّه مِثلُ استواءِ الإنسانِ على ظُهورِ الأنعامِ والفُلْكِ. ولَيْسَ فِي هَذَا اللَّفظِ مَا يَدلُّ على ذَلِكَ لأنَّه أضَافَ الاستواءَ إِلَى نَفسِه الكَريمَةِ. كما أضافَ إِلَيْهِ سائرَ أفعَالِه وصِفَاتِه فَذَكَرَ أنَّه خَلقَ ثُمَّ استوَى كما ذَكَرَ أنَّه (قَدَّرَ فَهَدَى) وأنَّه بَنَى السَّمَاءَ بِأيْدٍ وكما ذَكرَ أنَّه مَعَ مُوسَى وهَارُونَ يَسْمَعُ ويَرَى وأمثالَ ذَلِكَ. فلمْ يَذكُرْ استواءً مُطلقًا يَصلُحُ للمخلوقِ ولا عَامًّا يَتناولُ المخلوقَ، كما لَمْ يَذكرْ مثلَ ذَلِكَ فِي سَائرِ صِفاتِه وإنَّما ذَكرَ استواءً أضافَهُ إِلَى نَفسِه الكَريمَةِ فلَوْ قُدِّرَ - على وَجْهِ الفَرْضِ المُمْتَنِعِ - أنَّه هُوَ مِثلُ خَلْقِه - تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ - لكَانَ استواؤُه مِثلَ استواءِ خَلقِه. أَمَّا إذا كَانَ هُوَ لَيْسَ مُمَاثِلًا لِخَلقِه بَلْ قَدْ عُلِمَ أنَّه الغَنِيُّ عَن الخَلْقِ وأنَّه الخَالِقُ للعَرشِ وغيرِه وأنَّ كُلَّ مَا سِواهُ مُفتقِرٌ إِلَيْهِ وهُوَ الغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِواهُ وهُوَ لَمْ يَذكرْ إلَّا استواءً يَخَصُّهُ لَمْ يَذكرْ استواءً يَتناولُ غيرَهُ ولا يَصلحُ لَهُ كما لَمْ يَذكرْ فِي عِلمِه وقُدرتِه وسَمْعِهِ وخَلقِه إلَّا مَا يَختصُّ بِه فكَيْفَ يَجوزُ أنْ يُتوهَمَّ أنَّه إذا كَانَ مُستوِيًا على العَرشِ كَانَ مُحتاجًا إِلَيْهِ؟ وأنَّه لَوْ سَقَطَ العرشُ لَخَرَّ مِن عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وتَعالَى عمَّا يَقُولُ الظَّالمون عُلُوًّا كبيرًا. هَلْ هَذَا إلَّا جَهلٌ مَحضٌ وضَلالٌ مِمَّن فَهِمَ ذَلِكَ وتَوهَّمَهُ أَوْ ظَنَّهُ ظَاهرَ اللّفظِ ومَدْلُولَهُ أَوْ جَوَّزَ ذَلِكَ على رَبِّ العَالَمِينَ الغَنِيِّ عَن الخَلْقِ؟
بَل لَوْ قُدِّرَ أنَّ جاهلًا فَهِمَ مِثلَ هَذَا وتَوهَّمَهُ لَبُيِّنَ لَهُ أنَّ هَذَا لاَ يَجوزُ وأنَّه لَمْ يَدلَّ اللّفظُ عَلَيْهِ أَصْلًا كما يَدلُّ على نَظائِرِه فِي سَائرِ مَا وَصفَ بِه الرَّبُّ نَفْسَهُ. فَلمَّا قَالَ تَعَالَى (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ) فهل يُتوهَمُّ أنَّ بِناءَه مِثلُ بِناءِ الآدَمِيِّ المُحتاجِ الَّذِي يَحتاجُ إِلَى زِنْبِيلٍ ومَجَارِفَ وضَرْبِ لَبِنٍ وأعْوَانٍ؟
ثُمَّ قَدْ عُلِمَ أنَّ اللهَ خَلقَ العَالَمَ بَعضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ ولم يَجعلْ عَالِيَهُ مُفتقرًا إِلَى سَافلِه فالهَواءُ فَوْقَ الأََرْضِ، ولَيْسَ مُفتقرًا إِلَى حَمْلِ الأََرْضِ لَهُ والسَّحابُ فَوْقَ الأََرْضِ ولَيْسَ مُفتقرًا إِلَى أنْ تَحْمِلَهُ، والسَّمواتُ فَوْقَ الأََرْضِ وليستْ مُفتقرةً إِلَى حَمْلِ الأََرْضِ لَهَا. فالعَلِيُّ الأَعْلَى رَبُّ كُلِّ شيءٍ ومَليكُه إذا كَانَ فَوْقَ جَمِيعِ خَلْقِهِ كَيْفَ يَجِبُ أنْ يكونَ مُحتاجًا إِلَى خَلْقِه أَوْ عَرشِه؟ أَوْ كَيْفَ يَستلزِمُ عُلُوُّهُ علَى خَلقِه إِلَى هَذَا الافتقارِ وهُوَ بِمُستلزِمٍ فِي المَخلوقاتِ؟ وقد عُلِمَ أنَّ مَا ثَبَتَ لِمَخلوقٍ من الغَنِيِّ عَنْ غَيرِه فالخَالِقُ سُبْحَانَهُ وتَعالَى أحقُّ بِه وأولَى وكذَلِكَ قَولُه (أَأَمِنتُمْ مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأََرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ) مَن تَوَهَّمَ أنَّ مُقتضَى هَذِهِ الآيةِ أنْ يَكونَ اللهُ فِي دَاخِلِ السَّمواتِ فهُوَ جاهلٌ ضَالٌّ بالاتِّفَاقِ وإنْ كُنَّا إذا قُلْنَاهُ: إنَّ الشَّمسَ والقمرَ فِي السَّمَاءِ يَقتضي ذَلِكَ فإنَّ حرفَ (( فِي ) )مُتعلِّقٌ بما قَبلَه وما بَعدَه فهُوَ بحسبِ المُضافِ إِلَيْهِ. ولهَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ كونِ الشّيءِ فِي المكَانِ وكوْنِ الجسمِ فِي الحَيِّزِ وكَوْنِ العَرَضِ فِي الجسمِ وكونِ الوَجْهِ فِي المِرآةِ وكونِ الكلامِ فِي الورَقِ فإنَّ لِكُلِّ نَوعٍ مِن هَذِهِ الأنواع خَاصَّةً يَتميَّزُ بها عَنْ غيرِه وإنْ كَانَ حرفُ (( فِي ) )مُستعملًا فِي كُلِّ ذَلِكَ. فلَوْ قَالَ قَائِلٌ: العَرشُ فِي السَّمَاءِ أمْ فِي الأََرْضِ؟ لَقِيلَ لَهُ فِي السَّمَاءِ و لَوْ قِيلَ الجَنَّةُ فِي السَّمَاءِ أمْ فِي الأََرْضِ؟ لَقِيلَ: الجَنَّةُ فِي السَّمَاءِ ولا يَلزمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكونَ العرشُ داخلَ السّمواتِ بَلْ ولا الجَنَّةُ. فقد ثَبتَ فِي الصّحيحِ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه قَالَ:: إذا سألتُم اللهَ الجَنَّةَ فَاسألوهُ الفِرْدَوْسَ فإنَّه أَعْلَى الجَنَّةِ وأَوْسَطُ الجَنَّةِ وسَقْفُها عَرشُ الرّحْمَنِ )) فهَذِهِ الجَنَّةُ سَقْفُها الَّذِي هُوَ العرشُ فَوْقَ الأفْلَاكِ مَعَ أنَّ كونِ الجَنَّةِ فِي السَّمَاءِ يُرادُ بِه العُلُوُّ سواءً كَانَ فَوْقَ الأفْلَاكِ أَوْ تَحتهَا قَالَ: تَعَالَى (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السّمَاءِ) وقال تَعَالَى (وَأَنْزَلنَا مِنَ السَّمَاء مَاءً طَهُورًا) ولمَّا كَانَ قَدْ استقرَّ فِي نُفوسِ المُخَاطَبِينَ أنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ الأَعْلَى وأنَّه فَوْقَ كُلِّ شيءٍ كَانَ المَفهومُ مِن قَولِه (فِي السّماءِ) أنَّه فِي العُلُوِّ، وأنَّه فَوْقَ كُلِّ شيءٍ وكذَلِكَ الجَارِيَةُ لمَّا قَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( أَيْنَ الله؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ ) )إنَّما أرادتْ العُلُوَّ مَعَ عَدْلِه تَخْصِيصَهُ بالأجسامِ المَخلوقةِ وحُلُولِه فِيها. وإذا قِيلَ (( العُلُوُّ ) )أنَّه يَتناولُ مَا فَوْقَ المَخلوقاتِ كُلِّهَا فما فوقَها كُلَّهَا هُوَ فِي السَّمَاءِ ولا يَقتضِي هَذَا أنْ يَكونَ هُناكَ ظَرْفٌ وُجُودِيٌّ يُحيطُ بِه. إذْ لَيْسَ فَوْقَ العَالَمِ شيءٌ مَوجودٌ إلَّا اللهَ. كما لَوْ قِيلَ (( العَرشُ فِي السَّمَاءِ ) )فإنَّه لاَ يَقتضي أنْ يكونَ العَرشُ فِي شيءٍ آخَرَ مَوجودٍ مَخلوقٍ وإنْ قُدِّرَ أنَّ السَّمَاءَ المُرادَ بها الأفْلَاكُ كَانَ المرادُ أنَّه عليها كما قَالَ: (وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النّخْلِ) وكما قَالَ: (فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ) وكما قَالَ: (فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ) ويُقالُ: فُلانٌ فِي الجَبَلِ، وفي السّطحِ، وإنْ كَانَ أَعْلَى شيءٍ فِيهِ )) .
وفي الحَدِيثِ الرَّدُّ على مَن أنكرَ جوازَ الإشارةِ الحِسِّيَّةِ إِلَى الرَّبِّ سُبْحَانَهُ. فقد قَبِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ممَّن شَهِدَ لَهَا بالإيمانِ الإشارةَ الحِسِّيَّةَ إِلَيْهِ فمَن أنكرَ جوازَ الإشارةِ الحِسِّيَّةِ إِلَيْهِ فلا بُدَّ مِن أَحَدِ أمرينِ: إمَّا أنْ يَجعلَهُ مَعدُومًا، أَوْ مَعنًى مِن المَعاني لاَ ذَاتًا قَائمةً بنفسِها قَالَ الحَافظُ الذَّهبِيُّ وهكَذَا رَأينا كُلَّ مَن يَسألُ (( أَيْنَ اللهُ؟ ) )أنْ يُبادِرَ بفِطرتِه ويَقُولَ فِي السَّمَاءِ. ففي هَذَا الحَدِيثِ مَسألتانِ (إحداهُمَا) شَرعيَّةُ قَولِ المُسلمِ (( أَيْنَ اللهُ؟ ) ) (وثَانيهُمَا) قَولُ المَسئولِ (( فِي السَّمَاءِ ) )فمَن أنكرَ هَاتَيْنِ المَسألتينِ فإنَّما يُنكِرُ علَى المُصْطَفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ا. هـ
وما أَحْسَنَ مَا قَالَ الشَّيخُ يَحْيَى بنُ يُوسُفَ الصَّرصرِيُّ:
لقد صَحَّ إسَلامُ الجُوَيْرِيَّةِ الَّتِي ... بِأُصْبُعِها نَحْوَ السَّمَاءِ تُشيرُ
(( ذكرُ مَعيَّةِ اللهِ لِخَلْقِه وإحاطَتِه بِهِم وقُرْبِه مِنْهُمْ ) )