الصفحة 128 من 204

* فصلٌ في المعيَّةِ *

فَصْلٌ: وَقَدْ دَخَلَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِن الإِيمَانِ بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَتَوَاتَرَ عَن رَسُولهِ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ مِن أَنَّهُ سُبْحَانَهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ، عَلَى خَلْقِهِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا، يَعْلَمُ مَا هُمْ عَامِلُونَ كَمَا جَمَعَ بَيْنَ ذَلكَ فِي قَوْلهِ: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} .

وَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَهُوَ مَعَكُمْ} أَنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِالخَلْقِ فَإِنَّ هَذَا لا تُوجِبُهُ اللُّغَةُ، وَهُوَ خِلافُ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ، وَخِلافُ مَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ الخَلْقَ بَل القَمَرُ آيَةٌ مِن آيَاتِ اللَّهِ مِن أَصْغَرِ مَخْلُوقَاتِهِ، وَهُوَ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ مَعَ المُسَافِرِ وَغَيْرِ المُسَافِرِ أَيْنَمَا كَانَ.

وَهُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ العَرْشِ، رَقِيبٌ عَلَى خَلْقِهِ، مُهَيْمِنٌ عَلَيْهِمْ، مُطَّلِعٌ إلَيْهِمْ إِلَى غَيْرِ ذَلكَ مِن مَعَانِي رُبُوبِيَّتِهِ.

وَكُلُّ هَذَا الكَلامِ الذي ذَكَرَهُ اللَّهُ - مِن أَنَّهُ فَوْقَ العَرْشِ وَأَنَّهُ مَعَنَا - حَقٌّ عَلَى حَقِيقَتِهِ، فلا يَحْتَاجُ إِلَى تَحْرِيفٍ، وَلَكِنْ يُصَانُ عَن الظُّنُونِ الكَاذِبَةِ مِثْلِ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلهِ: {فِي السَّمَاءِ} أَنَّ السَّمَاءَ تُقِلُّهُ أَوْ تُظِلُّهُ، وَهَذَا بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ العِلْمِ وأهل الإِيْمانِ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، وَهُوَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا، وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، وَمِن آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت