فهرس الكتاب
* فصلٌ في القربِ *
وَقَدْ دَخَلَ فِي ذَلكَ الإِيمَانُ بِأَنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ كَمَا جَمَعَ بَيْنَ ذَلكَ فِي قَوْلهِ: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} ، وَقَوْلهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِن عُنُقِ رَاحِلَتِهِ} .
وَمَا ذُكِرَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِن قُرْبِهِ وَمَعِيَّتِه لا يُنَافِي مَا ذُكِرَ مِن عُلُوِّهِ وَفَوْقِيَّتِهِ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ ليْسَ كَمِثْلهِ شَيْءٌ فِي نُعُوتِهِ، وَهُوَ عَلِيٌّ فِي دُنُوِّهِ، قَرِيبٌ فِي عُلُوِّهِ.
ذَكَرَ المُؤَلِّفُ فِي هَذَيْنِ الفَصْلَيْنِ بَحْثَ المَعِيَّةِ وَالقُرْبِ. وَالمَعِيَّةُ الوَارِدَةُ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ نَوْعَانِ: خَاصَّةٌ وَعَامَّةٌ، وَأَمَّا القُرْبُ فَإِنَّمَا وَرَدَ خَاصًّا وَهُوَ قُرْبُهُ تَعَالَى مِن عَابِدِيهِ وَسَائِليهِ. كَمَا تَقَدَّمَ. وَمَا ذُكِرَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِن المَعِيَّةِ وَالقُرْبِ لا يُنَافِي مَا ذُكِرَ مِن العُلُوِّ وَالفَوْقِيَّةِ إِذْ أَنَّ المَعِيَّةَ لا تَقْتَضِي المُخالَطَةَ وَلا الممَاسَّةَ فَهُوَ سُبْحَانَهُ عَالٍ فِي دُنُوِّهِ، وَقَرِيبٌ فِي عُلُوِّهِ قَدِ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ وَعَلا فَوْقَ جَمِيعِ المَخْلُوقَاتِ وَلَيْسَ مُحْتَاجًا إِلَى العَرْشِ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ الغَنِيُّ بِذَاتِهِ عَن كُلِّ مَا سِوَاهُ وَهُوَ الحَيُّ القَيُّومُ.
فَلا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فَوْقَ العَرْشِ أَنَّ العَرْشَ يَحْمِلُهُ أَو السَّمَاوَاتِ أَوْ أَنَّهُ إِذَا نَزَلَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، أَوْ غَيْرِ ذَلكَ كَانَ العَرْشُ أَوْ غَيْرُهُ مِن السَّمَوَاتِ وَبَعْضِ المَخْلُوقَاتِ فَوْقَهُ أَوْ تَسْتُرُهُ. فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ العَلِيُّ الأَعْلَى الغَنِيُّ بِذَاتِهِ، وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: {وَهُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ العَرْشِ رَقِيبٌ عَلَى خَلْقِهِ مُهَيْمِنٌ عَلَيْهِمْ} قَالَ ابْنُ الأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الرَّقِيبُ وَهُوَ الحَافِظُ الذي لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ ا هـ وَالمُهَيْمِنُ الحَافِظُ لِخَلْقِهِ المُتَصَرِّفُ فِيهِمْ كَيْفَ يَشَاءُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: أَيِ الشَّاهِدُ عَلَى خَلْقِهِ بِأَعْمَالهِمْ بِمَعْنَى هُوَ رَقِيبٌ عَلَيْهِمْ كَقَوْلهِ: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} .
قَالَ ابْنُ الأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى: المُهَيْمِنُ: هُوَ الرَّقِيبُ. وَقِيلَ: المُؤْتَمَنُ. وَقِيلَ: القَائِمُ بِأُمُورِ الخَلْقِ، وَقِيلَ: أَصْلُهُ مُؤَيْمِنٌ فَأُبْدِلَتِ الهَاءُ مِن الهَمْزَةِ وَهُوَ مُفَيْعِلٌ مِن الأَمَانَةِ ا هـ. فَالمُهَيْمِنُ الرَّقِيبُ الحَافِظُ لكُلِّ شَيْءٍ مُفَيْعِلٌ مِن الأَمْنِ بِقَلْبِ هَمْزَتِهِ هَاءً وَإِلَيْهِ ذَهَبَ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَتَحْقِيقُهُ كَمَا فِي الكَشْفِ أَنَّ أَيْمَنَ عَلَى فَيْعَلَ مُبَالَغَةُ"أَمِنَ العَدُوَّ"للزِّيَادَةِ فِي البِنَاءِ. وَإِذَا قُلْتَ: أَمِنَ الرَّاعِي الذِّئْبَ عَلَى الغَنَمِ - مثلًا - دَلَّ عَلَى كَمَالِ حِفْظِهِ وَرِقْبَتِهِ. فَاللَّهُ تَعَالَى أَمِنَ كُلَّ شَيْءٍ سِوَاهُ سُبْحَانَهُ عَلَى خَلْقِهِ وَمُلْكِهِ لإِحَاطَةِ عِلْمِهِ وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ مُجَرَّدَ الدَّلالَةِ بِمَعْنَى الرَّقِيبِ وَالحَفِيظِ عَلَى الشَّيْءِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ المَفْعُولِ بِلا وَاسِطَةٍ للمُبالغةِ فِي كَمَالِ الحِفْظِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} وَجَعْلُهُ مِن ذَاكَ أَوْلَى مِن جَعْلِهِ مِن الأَمَانَةِ نَظَرًا إِلَى أَنَّ الأَمِينَ عَلَى الشَّيْءِ حَافِظٌ لهُ إِذْ لا يُنْبِئُ عَن المُبَالَغَةِ وَلا عَن شُمُولِ العِلْمِ وَالقُدْرَةِ. وَجَعَلَهُ فِي الصِّحَاحِ اسْمَ فَاعِلٍ مِن آمَنَهُ الخَوْفَ عَلَى الأَصْلِ فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ الأَصْليَّةُ يَاءً كَرَاهَةَ اجْتِمَاعِ الهَمْزَتَيْنِ، وَقُلِبَتِ الأُولَى هَاءً كَمَا فِي هَرَاقَ المَاءَ، وَقَوْلُهُمْ: فِي إِيَّاكَ هَيَّاكَ كَأَنَّهُ تَعَالَى بِحِفْظِهِ المَخْلُوقِينَ صَيَّرَهُمْ آمِنِينَ، وَحَرْفُ الاسْتِعْلاءِ