فهرس الكتاب
كمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ لتَضْمِينِ مَعْنَى الاطِّلاعِ وَنَحْوِهِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الاشْتِقَاقَ عَلَى مَا سَمِعْتَ أوَّلًا أَدَلُّ، وَالخُرُوجُ عَن القِيَاسِ فِيهِ أَقَلُّ.
وَظَاهِرُ كَلامِ الكَشْفِ أَنَّهُ ليْسَ مِن التَّصْغِيرِ فِي شَيْءٍ. وَقَالَ المُبَرِّدُ: إِنَّهُ مُصَغَّرٌ. وَخَطِئَ فِي ذَلكَ فَإِنَّهُ لا يَجُوزُ تَصْغِيرُ أَسْمَائِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ الشَّوْكَانِِيُّ:"المُهَيْمِنُ أَيِ الشَّهِيدُ عَلَى عِبَادِهِ بِأَعْمَالهِمْ، الرَّقِيبُ عَلَيْهِمْ. كَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ. يُقَالُ: هَيْمَنَ يُهَيْمِنُ فَهُوَ مُهَيْمِنٌ إِذَا كَانَ رَقيبًا عَلَى الشَّيْءِ. قَالَ الوَاحِدِيُّ: وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِن المُفَسِّرِينَ إِلَى أَصْلِهِ مُؤَيْمِنٌ مِن آمَنَ يُؤْمِنُ فَيَكُونُ بِمَعْنَى المُؤْمِنِ وَالأَوَّلُ أَوْلَى ا هـ. وَلَهُ تَعَالَى العُلُوُّ المُطْلَقُ الكَامِلُ مِن كُلِّ وَجْهٍ وَبِكُلِّ اعْتِبَارٍ."
فَهَذَا كِتَابُ اللَّهِ مِن أَوَّلهِ إِلَى آخِرِهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا. ثُمَّ عَامَّةُ كَلامِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، ثُمَّ كَلامُ سَائِرِ الأُمَّةِ مَمْلُوءٌ بِمَا هُوَ إِمَّا نَصٌّ وَإِمَّا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ العَلِيُّ الأَعْلَى وَهُوَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَالٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَأَنَّهُ فَوْقَ العَرْشِ وَأَنَّهُ فَوْقَ السَّمَاءِ فَفِي القُرْآنِ مِن ذَلكَ مَا لا يَكَادُ يُحْصَى إِلا بِكُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ، وَكَذَلكَ فِي الأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ وَالحِسَانِ مَا لا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ مِمَّا هُوَ مِن أَبْلَغِ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ أَنَّ الرَّسُولَ المُبَلِّغَ عَن اللَّهِ أَلْقَى إِلَى أُمَّتِهِ المَدْعُوِّينَ: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ عَلَى العَرْشِ وَأَنَّهُ فَوْقَ السَّمَاءِ كَمَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَى ذَلكَ جَمِيعَ الأُمَمِ عَرَبِهِمْ وَعَجَمِهِمْ إِلا مَن اجْتَالتْهُ الشَّيَاطِينُ عَن فِطْرَتِهِ.
ثُمَّ عَن السَّلَفِ فِي ذَلكَ مِن الأَقْوَالِ مَا لوْ جُمِعَ لَبَلَغَ مِئَتَيْنِ أَوْ ألُوفًا، ثُمَّ ليْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلا فِي سُنَّةِ رَسُولهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلا عَن أَحَدٍ مِن سَلَفِ الأُمَّةِ لا مِن الصَّحَابَةِ وَلا مِن التَّابِعِينَ لهُمْ بِإِحْسَانٍ وَلا عَن الأَئِمَّةِ الذين أَدْرَكُوا زَمَنَ الاخْتِلافِ - حَرْفٌ وَاحِدٌ يُخَالفُ ذَلكَ لا نصًا وَلا ظاهرًا. وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَطُّ إنَّ اللَّهَ ليْسَ فِي السَّمَاءِ، وَلا إنَّهُ ليْسَ عَلَى العَرْشِ، وَلا إنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَلا إنَّ جَمِيعَ الأَمْكِنَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سَوَاءٌ، وَلا إنَّهُ لا دَاخِلُ العَالَمِ وَلا خَارِجُهُ وَلا إنَّهُ لا مُتَّصِلٌ وَلا مُنْفَصِلٌ، وَلا إنَّهُ لا تَجُوزُ الإِشَارَةُ الحِسِّيِّةُ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ وَنَحْوِهَا. بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَطَبَ خُطْبَتَهُ العَظِيمَةَ يَوْمَ عَرَفَاتٍ فِي أَعْظَمِ مَجْمَعٍ حَضَرَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ يَقُولُ: ألَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيَرْفَعُ أُصْبُعَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَيُنَكِّبُهَا إِلَيْهِمْ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ غَيْرَ مَرَّةٍ. وَأَمْثَالُ ذَلكَ كَثِيرٌ وَقَوْلُه تَعَالَى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ} فِي هَذِهِ الآيَةِ وَكَذَلكَ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى كَمَا تَقَدَّمَ دَلالَةٌ عَلَى قُرْبِ اللَّهِ تَعَالَى مِن الدَّاعِي بِإِجَابَتِهِ وَمِن العَابِدِ بِإِنَابَتِهِ. وَقُرْبُهُ تَعَالَى لا يُنَاقِضُ عُلُوَّهُ. وَقَدْ جَاءَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا أَنَّ الصَّحَابَةَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: رُبُّنَا قَرِيبٌ فَنُنَاجِيه أَمْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيه فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِرْشَادِهِمْ للْمُنَاجَاةِ فِي الدُّعَاءِ لا النِّدَاءِ الذي هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ فَإِنَّهُمْ عَن هَذَا سَأَلُوهُ فَأُجِيبُوا بِأَنَّ رَبَّهُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَرِيبٌ لا يَحْتَاجُ فِي دُعَائِهِ وَسُؤَالهِ إِلَى النِّدَاءِ وَإِنَّمَا يُسْأَلُ مَسْأَلَةَ القَرِيبِ المُنَاجَى لا مَسْأَلَةَ البَعِيدِ المُنَادَى.