الصفحة 131 من 204

وَهَذَا القُرْبُ مِن الدَّاعِي هُوَ قُرْبٌ خَاصٌّ ليْسَ قُرْبًا عَامًّا مِن كُلِّ أَحَدٍ فَهُوَ قَرِيبٌ مِن دَاعِيهِ وَقَرِيبٌ مِن عَابِدِهِ، وَأَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، وَهُوَ أَخَصُّ مِن قُرْبِ الإِنَابَةِ وَقُرْبِ الإِحَاطَةِ الذي لمَ يُثْبِتْ أَكْثَرُ المتَكلَّمَينَ سِوَاهُ. بَلْ هُوَ قُرْبٌ خَاصٌّ مِن الدَّاعِي وَالعَابِدِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ راويًا عَن رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى"مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا"فَهَذَا قُرْبُهُ مِن عَابِدِهِ، وَأَمَّا قُرْبُهُ مِن دَاعِيهِ وَسَائِلهِ فَكَمَا قَالَ: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} وَقَوْلِهِ: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} فَفِيهِ الإِشَارَةُ وَالإِعْلامُ بِهَذَا القُرْبِ. وَأَمَّا قُرْبُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِن مُحِبِّهِ فَنَوْعٌ آخَرُ وَبِنَاءٌ آخَرُ وَشَأْنٌ آخَرُ. وَإِذَا كَانَ الدُّعَاءُ المَأْمُورُ بِإِخْفَائِهِ يَتَضَمَّنُ دُعَاءَ الطَّلَبِ وَالثَّنَاءِ وَالمَحَبَّةِ وَالإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ مِن أَعْظَمِ الكُنُوزِ الَّتِي هِيَ أَحَقُّ بِالإِخْفَاءِ وَالسَّتْرِ عَن أَعْيُنِ الحَاسِدِينَ.

فَإِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ ذِكْرٌ للْمَدْعُوِّ سُبْحَانَهُ مُتَضَمِّنٌ للطَّلَبِ مِنْهُ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِأَسْمَائِهِ وَأَوْصَافِهِ فَهُوَذِكْرٌ وَزِيَادَةٌ كَمَا أَنَّ الذِّكْرَ سُمِّيَ دُعَاءً لتَضَمُّنِهِ الطَّلَبَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَفْضَلُ الدُّعَاءِ الحَمْدُ للَّهِ"فَسَمَّى الحَمْدَ دُعَاءً وَهُوَ ثَنَاءٌ مَحْضٌ لِأَنَّ الحَمْدَ يَتَضَمَّنُ الحُبَّ وَالثَّنَاءَ. وَالحُبُّ أَعْلَى أَنْوَاعِ الطَّلَبِ لِلمَحْبُوبِ، فَالحَامِدُ طَالِبٌ لِمَحْبُوبِهِ فَهُوَ أَحَقُّ أَنْ يُسَمَّى داعيًا مِن غَيْرِهِ مِن أَنْوَاعِ الطَّلَبِ الذي هُوَ دُونَهُ.

وَالمَقْصُودُ أَنَّ كُلَ وَاحِدٍ مِن الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ يَتَضَمَّنُ الآخَرَ وَيَدْخُلُ فِيهِ. وَتَأَمَّلْ كَيْفَ قَالَ فِي آيَةِ الذِّكْرِ: {وَاذْكُرْ رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً} وَفِي آيَةِ الدُّعَاءِ: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} فَذَكَرَ التَّضَرُّعَ فِيهِمَا معًا وَهُوَ التَّذَلُّلُ وَالتَّمَسْكُنُ وَالِانْكِسَارُ وَهُوَ رُوحُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ. وَأَخْبَرَ عَن الرَّحْمَةِ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ بِالتَّاءِ بِقَوْلهِ: (قَرِيبٌ) وَهُوَ مُذَكَّرٌ؛ لأَنَّ الرَّحْمَةَ صِفَةٌ مِن صِفَاتِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَالصِّفَةُ قائِمَةٌ بِالمَوْصُوفِ لا تُفَارِقُهُ؛ لأَنَّ الصِّفَةَ لا تُفَارِقُ مَوْصُوفَهَا فَإِذَا كَانَتْ قَرِيبَةً مِن المُحْسِنِينَ فَالمَوْصُوفُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَوْلَى بِالقُرْبِ مِنْهُ بَلْ قُرْبُ رَحْمَتِهِ تَبَعٌ لقُرْبِهِ هُوَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِن المُحْسِنِينَ فَإِنَّ اللَّهَ قَرِيبٌ مِن أَهْلِ الإِحْسَانِ بِإِثَابَتِهِ، وَمِن أَهْلِ سُؤَالهِ بِإِجَابَتِهِ.

وَالإِحْسَانُ يَقْتَضِي قُرْبَ الرَّبِّ مِن عَبْدِهِ كَمَا أَنَّ العَبْدَ قَرُبَ مِن رَبِّهِ بِالإِحْسَانِ فَالرَّبُّ تَعَالَى قَرِيبٌ مِن المُحْسِنِينَ، وَرَحْمَتُهُ قَرِيبَةٌ مِنْهُمْ وَقُرْبُهُ مُسْتَلْزِمٌ قُرْبَ رَحْمَتِهِ فَفِي حَذْفِ التَّاءِ هَهُنَا تَنْبِيهٌ عَلَى هَذِهِ الفَائِدَةِ الجَليلَةِ وَأَنَّ اللَّهَ قَرِيبٌ مِن المُحْسِنِينَ وَذَلكَ يَسْتَلْزِمُ القُرْبَيْنِ: قُرْبَهُ وَقُرْبَ رَحْمَتِهِ، وَلَوْ قَالَ: إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبَةٌ مِن المُحْسِنِينَ لمْ يَدُلَّ عَلَى قُرْبِهِ تَعَالَى مِنْهُمْ؛ لأَنَّ قُرْبَهُ تَعَالَى أَخَصُّ مِن قُرْبِ رَحْمَتِهِ، وَالأَعَمُّ لا يَسْتَلْزِمُ الأَخَصَّ بِخِلافِ قُرْبِهِ فَإِنَّهُ لمَّا كَانَ أَخَصَّ اسْتَلْزَمَ الأَعَمَّ وَهُوَ قُرْبُ رَحْمَتِهِ. وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: قُرْبُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِن المُحْسِنِينَ وَقُرْبُ رَحْمَتِهِ مِنْهُمْ مُتَلازِمَانِ لا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَن الآخَرِ فَإِذَا كَانَتْ رَحْمَتُهُ قَرِيبَةً مِنْهُمْ فَهُوَ أيضًا قَرِيبٌ مِنْهُمْ وَإِذَا كَانَ المَعْنَيَانِ مُتَلازِمَيْنِ صَحَّ إِرَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَكَانَ فِي بَيَانِ قُرْبِهِ سُبْحَانَهُ مِن المُحْسِنِينَ مِن التَّحْرِيضِ عَلَى الإِحْسَانِ وَاسْتِدْعَائِهِ مِن النُّفُوسِ وَتَرْغِيبِهَا فِيهِ غَايَةُ حظٍّ لهَا وَأَشْرَفُهُ وَأَجَلُّهُ عَلَى الإِطْلاقِ وَهُوَ أَفْضَلُ إِعْطَاءٍ أُعْطِيَهُ العَبْدُ وَهُوَ قُرْبُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِن عَبْدِهِ الذي هُوَ غَايَةُ الأَمَانِي وَنِهَايَةُ الآمَالِ وَقُرَّةُ العُيُونِ وَلَمَّا ظَهَرَتِ الجَهْمِيَّةُ المُنْكِرَةُ لمُبَايَنَةِ اللَّهِ وَعُلُوِّهِ عَلَى خَلْقِهِ افْتَرَقَ النَّاسُ فِي هَذَا البَابِ عَلَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت