الصفحة 132 من 204

أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: فَالسَّلَفُ وَالأَئِمَّةُ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِن خَلْقِهِ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلكَ الكِتَابُ وَالسُّنَّة وَإِجْمَاعُ سَلَفِ الأُمَّةِ، وَكَمَا عُلِمَ العُلُوُّ وَالمُبَايَنَةُ بِالمَعْقُولِ الصَّرِيحِ المُوَافِقِ للْمَنْقُولِ الصَّحِيحِ وَكَمَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَى ذَلكَ خَلْقَهُ فِي إِقْرَارِهِمْ بِهِ وَقَصْدِهِمْ إِيَّاهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

وَالقَوْلُ الثَّانِي: قَوْلُ مُعَطِّلَةِ الجَهْمِيَّةِ ونُفاتِهِمْ وَهُمُ الذين يَقُولُونَ لا دَاخِلُ العَالَمِ وَلا خَارِجُهُ وَلا مُبَايِنٌ لهُ وَلا مُحايِثٌ لهُ فَيَنْفُونَ الوَصْفَيْنِ المُتَقَابِلَيْنِ لِلَّذِينَ لا يَخْلُو مَوْجُودٌ عَن أَحَدِهِمَا كَمَا يَقُولُ ذَلكَ أَكْثَرُ المُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِن غَيْرِهِمْ.

والقَوْلُ الثَّالثُ: قَوْلُ حُلُوليَّةِ الجَهْمِيِّةِ الذين يَقُولُونَ: إِنَّهُ بِذَاتهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ كَمَا تَقُولُ ذَلكَ النَّجَّاريةُ أَتْبَاعُ حُسَيْنِ النَّجَّارِ وَغَيْرُهُمْ مِن الجَهْمِيَّةِ وَهَؤُلاءِ القَائِلُونَ بِالحُلُولِ وَالاتِّحَادِ مِن جِنْسِ هَؤُلاءِ، فَإِنَّ الحُلُولَ أَغْلَبُ عَلَى عِبَادِ الجَهْمِيّةِ وَصُوفِيَّتِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ، وَالنَّفْيُ وَالتَّعْطِيلُ أَغْلَبُ عَلَى نُظَّارِهِمْ وَمُتَكَلِّمِيهِمْ كَمَا قِيلَ: مُتَكَلِّمَةُ الجَهْمِيّةِ لا يَعْبُدُونَ شيئًا، وَمُتَصَوِّفَةُ الجَهْمِيّةِ يَعْبُدُونَ كُلَّ شَيْءٍ وَذَلكَ لأَنَّ العِبَادَةَ تَتَضَمَّنُ القَصْدَ وَالطَّلَبَ وَالإِرَادَةَ وَالمَحَبَّةَ وَهَذَا لا يَتَعَلَّقُ بِمَعْدُومٍ.

وَالقَوْلُ الرَّابِعُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ بِذَاتِه فَوْقَ العَالَمِ وَهُوَ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَهَذَا قَوْلُ طَوَائِفَ مِن أَهْلِ الكَلامِ وَالتَّصَوُّفِ كَأَبِي مُعَاذٍ وَأَمْثَالهِ.

* فصلٌ في القرآنِ *

وَمِن الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَكُتُبِهِ الإِيمَانُ بِأَنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ، مُنَزَّلٌ، غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مِنْهُ بَدَأَ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَأَنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِهِ حَقِيقَةً، وَأَنَّ هَذَا القُرْآنَ الذي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ كَلامُ اللَّهِ حَقِيقَةً، لا كَلامُ غَيْرِهِ. وَلا يَجُوزُ إِطْلاقُ القَوْلِ بِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَن كَلامِ اللَّهِ، أَوْ عِبَارَةٌ، بَلْ إِذَا قَرَأَهُ النَّاسُ أَوْ كَتَبُوهُ فِي المَصَاحِفِ لمْ يَخْرُجْ بِذَلكَ عَن أَنْ يَكُونَ كَلامَ اللَّهِ تَعَالَى حَقِيقَةً، فَإِنَّ الكَلامَ إِنَّمَا يُضَافُ حَقِيقَةً إِلَى مَن قَالَهُ مُبْتَدِئًا، لا إِلَى مَن قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤدِّيًا. وَهُوَ كَلامُ اللَّهِ: حُرُوفُهُ، وَمَعَانِيهِ، ليْسَ كَلامُ اللَّهِ حُرُوفًَا دُونَ المَعَانِي، وَلا المَعَانِيَ دُونَ الحُرُوفِ.

مَسْأَلَةُ الكَلامِ مِن أَكْبَرِ المَسَائِلِ الَّتِي حَصَلَ فِيهَا النِّزَاعُ بَيْنَ الفِرَقِ. وَالقَوْلُ الصَّوَابُ فِيهَا مَذْهَبُ السَّلَفِ الصَّالحِ أَنَّ اللَّهَ لمْ يَزَلْ مُتَكلِّمًا إِذَا شَاءَ، وَأَنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.

وَمَذْهَبُ سَلَفِ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لهُمْ بِإِحْسَانٍ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ المُسْلمِينَ كَالأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَهُوَ الذي يُوَافِقُ الأَدِلَّةَ العَقْليَّةَ الصَّرِيحَةَ أَنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ فَهُوَ المُتَكَلِّمُ بِالقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن كَلامِهِ ليْسَ مخلوقًا منفصلًا عَنْهُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ: إِنَّ القُرْآنَ أَوِ التَّوْرَاةَ أَوِ الإِنْجِيلَ لازِمَةٌ لذَاتهِ أزلًا وأبدًا، وَهُوَ لا يَقْدِرُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَلا قَالُوا: إِنَّ نَفْسَ نِدَائِهِ لمُوسَى أَوْ نَفْسَ الكَلمَةِ المُعَيَّنَةِ قَدِيمَةٌ أَزَليَّةٌ بَلْ قَالُوا: لمَ يَزَلِ اللَّهُ مُتَكلِّمًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت