فهرس الكتاب
إِذَا شَاءَ وَكَلمَاتُ اللَّهِ لا نِهَايَةَ لهَا وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ تَكَلَّمَ بِالقُرْآنِ العَرَبِيِّ وَبِالتَّوْرَاةِ العِبْرِيَّةِ. فَالقُرْآنُ العَرَبِيُّ كَلامُ اللَّهِ وَقَدْ بَيَّنَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ الكِتَابَ وَالقُرْآنَ العَرَبِيَّ نَزَلَ مِن اللَّهِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ السَّلَفِ:"مِنْهُ بَدَأَ".
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ:"مِنْهُ"أَيْ هُوَ المُتَكَلِّمُ بِهِ. فَإِنَّ الذين قَالُوا: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ قَالُوا خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ فَبَدَأَ مِن ذَلكَ المَخْلُوقِ فَقَالَ السَّلَفُ:"مِنْهُ بَدَأَ"أَيْ هُوَ المُتَكَلِّمُ بِهِ لمَ يخَلُقْهُ فِي غَيْرِهِ، فَيَكُونُ كلامًا لذَلكَ المَحَلِّ الذي خَلَقَهُ فِيهِ. فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا خَلَقَ صِفَةً مِن الصِّفَاتِ فِي مَحَلٍّ كَانَتِ الصِّفَةُ صِفَةً لذَلكَ المَحَلِّ وَلَمْ تَكُنْ صِفَةً لرَبِ العَالَمِينَ وَإِنَّمَا يَتَّصِفُ الرَّبُّ تَعَالَى بِمَا يَقُومُ بِهِ مِن الصِّفَاتِ لا بِمَا يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ مِن المَخْلُوقَاتِ.
وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي مُسَمَّى الكَلامِ فِي الأَصْلِ فَقِيلَ: هُوَ اسْمُ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى المَعْنَى، وَقِيلَ: المَعْنَى المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ وَقِيلَ لكُلٍّ مِنْهُمَا بِطَرِيقِ الاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ وَقِيلَ: بَلْ هُوَ: اسْمٌ عَامٌّ لهُمَا جميعًا يَتَنَاوَلُهُمَا عِنْدَ الإِطْلاقِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ التَّقْيِيدِ يُرَادُ بِهِ هَذَا تَارَةً، وَهَذَا تَارَةً.
هَذَا قَوْلُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الفُقَهَاءِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا القَوْلُ لا يُعْرَفُ فِي كَثِيرٍ مِن الكُتُبِ، فَتَنَازُعُهُمْ فِي مُسَمَّى النُّطْقِ كَتَنَازُعِهِمْ فِي مُسَمَّى النَّاطِقِ فَمَنْ سَمَّى شخصًا مُحمَّدًا وَإِبْرَاهِيمَ وَقَالَ: جَاءَ مُحَمَّدٌ وَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ لمْ يَكُنْ هَذَا مُحمَّدًا وَإِبْرَاهِيمَ المَذْكُورَيْنِ فِي القُرْآنِ، وَلَوْ قَالَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَإِبْرَاهِيمُ خَليلُ اللَّهِ يَعْنِي بِهِ خَاتَمَ الرُّسُلِ وَخَليلَ الرَّحْمَنِ لكَانَ قَدْ تَكَلَّمَ بِمُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ اللَّذينِ فِي القُرْآنِ، لكِنْ قَدْ تَكَلَّمَ بِالاسْمِ وَأَلَّفَهُ كلامًا فَهُوَ كَلامُهُ لمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ فِي القُرْآنِ العَرَبِيِّ الذي تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ، فَالحُرُوفُ الَّتِي تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، وَإِذَا كُتِبَتْ فِي المُصْحَفِ قِيلَ: كَلامُ اللَّهِ المَكْتُوبُ فِي المُصْحَفِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَأَمَّا نَفْسُ أَصْوَاتِ العِبَادَةِ فَمَخْلُوقَةٌ، وَالمِدَادُ مَخْلُوقٌ، وَشَكْلُ المِدَادِ مَخْلُوقٌ.
وَلهَذَا كَانَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ مِن أَئِمَّةِ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: مَن قَالَ: اللَّفْظُ بِالقُرْآنِ أَوْ لفْظِي بِالقُرْآنِ مَخْلُوقٌ فَهُوَ جَهْمِيٌّ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ مَن قَالَ: لفْظِي بِالقُرْآنِ مَخْلُوقٌ - يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ - فَهُوَ جَهْمِيٌّ؛ لأَنَّ اللَّفْظَ يُرَادُ بِهِ مَصْدَرُ لفِظَ يَلْفِظُ لفْظًا. وَمُسَمَّى هَذَا فِعْلُ العَبْدِ، وَفِعْلُ العَبْدِ مَخْلُوقٌ، وَيُرَادُ بِاللَّفْظِ القَوْلُ الذي يَلْفِظُ بِهِ اللافِظُ وَذَلكَ كَلامُ اللَّهِ، لا كَلامُ القَارِئِ فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ.
فَقَدْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لمْ يَتَكَلَّمْ بِهَذَا القُرْآنِ وَأَنَّ هَذَا الذي يَقْرَؤُهُ المُسْلمُونَ ليْسَ هُوَ كَلامَ اللَّهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا عُلِمَ بِالاضْطِرَارِ مِن دِينِ الرَّسُولِ. وَأَمَّا صَوْتُ العَبْدِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ. وَقَدْ صَرَّحَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الصَّوْتَ المَسْمُوعَ صَوْتُ العَبْدِ وَلَمْ يَقُلْ أَحْمَدُ قَطُّ: مَن قَالَ: إِنَّ صَوْتِيّ بِالقُرْآنِ مَخْلُوقٌ فَهُوَ جَهْمِيٌّ وَإِنَّمَا قَالَ: مَن قَالَ: لفْظِي بِالقُرْآنِ.
وَالفَرْقُ بَيْنَ لفْظِ الكَلامِ وَصَوْتِ المُبَلِّغِ لهُ فَرْقٌ وَاضِحٌ فَكُلُّ مَن بَلَّغَ كَلامَ غَيْرِهِ بِلَفْظِ ذَلكَ الرَّجُلِ فَإِنَّمَا بَلَّغَ لفْظَ ذَلكَ الغَيْرِ لا لفْظَ نَفْسِهِ، وَهُوَ إِنَّمَا بَلَّغَهُ بِصَوْتِ نَفْسِهِ لا بِصَوْتِ ذَلكَ الغَيْرِ وَنَفْسِ اللَّفْظِ والتِّلاوةِ وَالقِرَاءةِ وَالكِتَابَةِ وَنَحْوِ ذَلكَ لَمَّا كَانَ يُرَادُ بِهِ المَصْدَرُ الذي هُوَ حَرَكَاتُ العِبَادِ وَمَا يَحْدُثُ عَنْهَا مِن أَصْوَاتِهِمْ وَشَكْلِ المِدَادِ، وَيُرَادُ بِهِ نَفْسُ الكَلامِ الذي يَقْرَؤُهُ التَّالي وَيَتْلُوهُ وَيَلْفِظُ بِهِ وَيَكْتُبُهُ، مَنَعَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِن إِطْلاقِ النَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ الذي يَقْتَضِي جَعْلَ صِفَاتِ