فهرس الكتاب
اللَّهِ مَخْلُوقَةً أَوْ جَعْلَ صِفَاتِ العِبَادِ ومِدادَهُمْ غَيْرَ مَخْلُوقٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ نَقُولُ: القُرْآنُ كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ حَيْثُ تَصَرَّفَ - أَيْ حَيْثُ تُلِيَ وَكُتِبَ وَقُرِئَ مِمَّا هُوَ فِي نَفْسِ الأَمْرِ كَلامُ اللَّهِ فَهُوَ كَلامُهُ، وَكَلامُهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَمَا كَانَ مِن صِفَاتِ العِبَادِ وَأَفْعَالهِمُ الَّتِي يَقْرَءُونَ وَيَكْتُبُونَ بِهَا كَلامَهُ كَأَصْوَاتِهِمْ ومِدادِهم فَهُوَ مَخْلُوقٌ. وَلهَذَا مَن لمْ يَهْتَدِ إِلَى هَذَا الفَرْقِ يَحَارُ فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ القُرْآنَ وَاحِدٌ وَيَقْرَؤُهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ. وَالقُرْآنُ لا يَكْثُرُ فِي نَفْسِهِ بِكَثْرَةِ قِرَاءَةِ القُرَّاءِ وَإِنَّمَا يَكْثُرُ مَا يَقْرَءُونَ بِهِ القُرْآنَ، فَمَا يَكْثُرُ وَيَحْدُثُ فِي العِبَادِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ، وَالقُرْآنُ نَفْسُهُ لفْظُهُ وَمَعْنَاهُ الذي تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ وَسَمِعَهُ جِبْرِيلُ مِن اللَّهِ وَسَمِعَهُ مُحَمَّدٌ مِن جِبْرِيلَ وَبَلَّغَهُ مُحَمَّدٌ إِلَى النَّاسِ وَأَنْذَرَ بِهِ الأُمَمَ لقَوْلهِ تَعَالَى: {لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} ـ قُرْآنٌ وَاحِدٌ وَهُوَ كَلامٌ اللَّهِ ليْسَ بِمَخْلُوقٍ.
وَالذين قَالُوا:"إِنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ"أَرْبَعُ فِرَقٍ، فِرْقَةٌ قَالَتْ: يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ مَخْلُوقٍ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ وَهُمُ المُعْتَزِلَةُ. وَفِرْقَةٌ قَالَتْ: يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ قَدِيمٍ لمْ يَزَلْ وَلا يَزَالُ وَهُمُ السَّالمِيَّةُ والاقْتِرانِيَّةُ. وَفِرْقَةٌ قَالَتْ: يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ حَادِثٍ فِي ذَاتِهِ بَعْدَ أَنْ لم يَكُنْ وَهُمُ الكَرَّامِيَّةُ.
وَقَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالحَدِيثِ: لمْ يَزَلِ اللَّهُ مُتَكلِّمًا بِصَوْتٍ إِذَا شَاءَ. وَالذين قَالُوا: لا يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ فِرْقَتَانِ: أَصْحَابُ الفَيْضِ وَالقَائِلُونَ: إِنَّ الكَلامَ مَعْنًى قَائِمٌ بِالنَّفْسِ. وَالمَذْهَبُ الحَقُّ أَنَّ كَلامَ اللَّهِ قَدِيمُ النَّوْعِ حَادِثُ الآحَادِ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلكَ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ: هَلِ التِّلَاوةُ غَيْرُ المَتْلُوِّ؟ أَوْ هِيَ المَتْلُوُّ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَالذين قَالُوا: التِّلاوَةُ هِيَ المَتْلُوُّ فَلَيْسَتْ حَرَكَاتُ الإِنْسَانِ عِنْدَهُمْ هِيَ التِّلاوَةُ وَإِنَّمَا أَظْهَرَتِ التِّلاوَةَ وَكَانَتْ سببًا لظُهُورِهَا وَإِلَّا فَالتِّلاوَةُ عِنْدَهُمْ هِيَ نَفْسُ الحُرُوفِ وَالأَصْوَاتِ وَهِيَ قَدِيمَةٌ وَالذين قَالُوا: التِّلاوَةُ غَيْرُ المَتْلُوِّ طَائِفَتَانِ: إِحْدَاهُمَا قَالَتْ: التِّلاوَةُ: هِيَ هَذِهِ الحُرُوفُ وَالأَصْوَاتُ المَسْمُوعَةُ وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ وَالمَتْلُوُّ: المَعْنَى القَائِمُ بِالنَّفْسِ وَهُوَ قَدِيمٌ. وَهَذَا قَوْلُ الأَشْعَرِيِّ.
وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ قَالُوا: التِّلاوَةُ: هِيَ قِرَاءَتُنَا وَتَلَفُّظُنَا بِالقُرْآنِ، وَالمَتْلُوُّ هُوَ القُرْآنُ العَزِيزُ المَسْمُوعُ بِالآذَانِ بِالأَدَاءِ مِن فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ حُرُوفٌ وَكَلمَاتٌ وَسُورٌ وَآيَاتٌ تَلاهُ جَبْرَائِيلُ وَبَلَّغَهُ جَبْرَائِيلُ عَن اللَّهِ تَعَالَى كَمَا سَمِعَهُ وَهَذَا قَوْلُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالحَدِيثِ فَهُمْ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ مَا قَامَ بِالعَبْدِ وَمَا قَامَ بِالرَّبِّ، وَالقُرْآنُ عِنْدَهُمْ جَمِيعُهُ كَلامُ اللَّهِ وَحُرُوفُهُ وَمَعَانِيهِ. وَأَصْوَاتُ العِبَادِ وَحَرَكَاتُهُمْ وَأَدَاؤُهُمْ وَتَلَفُّظُهُمْ كُلُّ ذَلكَ مَخْلُوقٌ بَائِنٌ عَن اللَّهِ. وَأَمَّا إِنْكَارُ أَحْمَدَ عَلَى مَن قَالَ لفْظِي بِالقُرْآنِ مَخْلُوقٌ أَوْ قَالَ غَيْرَ مَخْلُوقٍ فَقَصْدُهُ أَنَّ اللَّفْظَ يُرَادُ بِهِ أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: المَلْفُوظُ نَفْسُهُ وَهُوَ غَيْرُ مَقْدُورٍ للْعَبْدِ وَلا فِعْلَ لهُ فِيهِ.
وَالثَّانِي: التَّلَفُّظُ بِهِ وَالأَدَاءُ لهُ وَهُوَ فِعْلُ العَبْدِ فَإِطْلاقُ الخَلْقِ عَن اللَّفْظِ قَدْ يُوهِمُ المَعْنَى الأَوَّلَ وَهُوَ خَطَأٌ، وَإِطْلاقُ نَفْيِ الخَلْقِ عَلَيْهِ قَدْ يُوهِمُ المَعْنَى الثَّانِيَ وَهُوَ خَطَأٌ فَمَنَعَ الإطْلاقَيْنِ وَرُوِيَ عَن أَبِي أُمَامَةَ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"مَا تَقَرَّبَ العِبَادُ إِلَى اللَّهِ بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ"- يَعْنِي القُرْآنَ. وَرُوِيَ عَن جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، وَخَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ نَحْوُ ذَلكَ.