فهرس الكتاب
وَقَوْلُهُ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ أَيِ اللَّهُ المُتَكَلِّمُ بِالقُرْآنِ ابْتِدَاءً حَقِيقَةً وَإِلَيْهِ يَعُودُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَذَلكَ مِن أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَأَمَارَاتِهَا وَرَوَى الدَّيْلَمِيُّ عَن حُذَيْفَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالا:"يُسْرَى عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ليْلًا فَيُصْبِحُ النَّاسُ وَلَيْسَ مِنْهُ آيَةٌ وَلا حَرْفٌ فِي جَوْفٍ إِلا نُسِخَتْ"وَرُوِيَ عَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ:"لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَرْجِعَ القُرْآنُ مِن حَيْثُ جَاءَ فَيَكُونُ لهُ دَوِيٌّ حَوْلَ العَرْشِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ فَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: مَا لكَ؟ فَيَقُولُ: مِنْكَ خَرَجْتُ وَإِلَيْك عُدْتُ، أُتْلَى فَلا يُعْمَلُ بِي عِنْدَ ذَلكَ رُفِعَ القُرْآنُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَةَ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ وَالحَاكِمُ والبَيْهقيُّ وَالضِّيَاءُ عَن حُذَيْفَةَ: يَدْرُسُ الإِسْلامُ كَمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوْبِ حَتَّى مَا يُدْرَى مَا صِيَامٌ وَلا صَلاةٌ وَلا صَدَقَةٌ وَلا نُسُكٌ وَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فِي ليْلَةٍ فَلا يَبْقَى فِي الأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ وَتَبْقَى طَوَائِفُ مِن النَّاسِ الشَّيْخُ الكَبِيرُ وَالعَجُوزُ يَقُولُونَ أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الكَلمَةِ فَنَحْنُ نَقُولُهَا وَرَوَى عَبْدُ الغَنِيِّ بْنُ سُرُورٍ المَقْدِسِيُّ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَالا: القُرْآنُ كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ."
وَقَالَ الشَّيْخُ فِي المُنَاظَرَةِ: وَلَمَّا جَاءَتْ مَسْأَلَةُ القُرْآنِ، وَمِن الإِيمَانِ بِهِ الإِيمَانُ بِأَنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ، نَازَعَ بَعْضُهُمْ فِي كَوْنِهِ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَطَلَبُوا تَفْسِيرَ ذَلكَ. فَقُلْتُ: أَمَّا هَذَا القَوْلُ فَهُوَ المَأْثُورُ الثَّابِتُ عَن السَّلَفِ مِثْلَ مَا نقلَهَ عُمَرُ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً يَقُولُونَ: اللَّهُ الخَالقُ وَمَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ إِلا القُرْآنَ فَإِنَّهُ كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ وَقَدْ جَمَعَ غَيْرُ وَاحِدٍ مَا فِي ذَلكَ مِن الآثَارِ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ كَالحَافِظِ أَبِي الفَضْلِ بْنِ نَاصِرٍ، وَالحَافِظِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ المَقْدِسِيِّ.
وَأَمَّا مَعْنَاهُ فَإِنَّ قَوْلَهُمْ مِنْهُ بَدَأَ أَيْ هُوَ المُتَكَلِّمُ بِهِ وَهُوَ الذي أَنْزَلَهُ مِن لدُنْه ليْسَ كَمَا تَقُولُهُ الجَهْمِيّةُ: إِنَّهُ خَلَقَهُ فِي الهَوَاءِ أَوْ غَيْرِهِ وَبَدَأَ مِن عِنْدِ غَيْرِهِ. وَأَمَّا إِلَيْهِ يَعُودُ فَإِنَّهُ يُسْرَى بِهِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مِن المَصَاحِفِ وَالصُّدُورِ فَلا يَبْقَى فِي الصُّدُورِ مِنْهُ كَلمَةٌ وَلا فِي المَصَاحِفِ مِنْهُ حَرْفٌ، وَوَافَقَ عَلَى ذَلكَ بَعْضُ الحَاضِرِينَ وَسَكَتَ المُنَازِعُونَ، وَخَاطَبْتُ بَعْضَهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا المَجْلسِ بِأَنْ أَرَيْتُهُ العَقِيدَةَ الَّتِي جَمَعَهَا الإِمَامُ القَادِرِيُّ وَفِيهَا أَنَّهُ كَلامُ اللَّهِ خَرَجَ مِنْهُ فَتَوَقَّفَ فِي هَذَا اللَّفْظِ فَقُلْتُ: هَكَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَا تَقَرَّبَ العِبَادُ إِلَى اللَّهِ بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ"- يَعْنِي القُرْآنَ. وَقَالَ خَبَّابُ بْنُ الأَرَتِّ يَا هَذَا تَقَرَّبْ إِلَى اللَّهِ بِمَا اسْتَطَعْتَ فَلَنْ يُتَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا خَرَجَ مِنْهُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لمَّا قَرَأَ قُرْآنَ مُسَيْلِمَةَ الكَذَّابِ. إِنَّ هَذَا الكَلامَ لمْ يَخْرُجْ مِن (( إِل ) )يَعْنِي مِن رَبٍّ.
وتَمَعَّضَ بَعْضُهُمْ مِن إِثْبَاتِ كَوْنِ كَلامِ اللَّهِ حَقِيقَةً بَعْدَ تَسْليمِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَكَلَّمَ بِهِ حَقِيقَةً، ثُمَّ أَنَّهُ سَلَّمَ ذَلكَ لمَّا بُيِّنَ لهُ أَنَّ المَجَازَ يَصِحُّ نَفْيُهُ وَهَذَا لا يَصِحُّ نَفْيُهُ وَلَمَّا بُيِّنَ لهُ مِن أَنَّ أَقْوَالَ المُتَقَدِّمِينَ المَأْثُورَةَ عَنْهُمْ، وَشِعْرَ الشُّعَرَاءِ المُضَافَ إِلَيْهِمْ هُوَ كَلامُهُمْ حَقِيقَةً فَلا يَكُونُ شَبَهُ القُرْآنِ بأقلَّ مِن ذَلكَ فَوَافَقَ الجَمَاعَةُ كُلُّهُمْ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي مَسْأَلَةِ القُرْآنِ وَأَنَّ اللَّهَ مُتَكَلِّمٌ حَقِيقَةً وَأَنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ حَقِيقَةً.
وَقَالَ فِي المُنَاظَرَةِ أيضًا فِي مَسْأَلَةِ الحَرْفِ وَالصَّوْتِ: هَذَا الذي يَحْكِيه كَثِيرٌ مِن النَّاسِ عَن الإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ صَوْتَ القَارِئِينَ وَمِدَادَ المَصَاحِفِ قَدِيمٌ أَزَليٌّ كَمَا نَقَلَهُ مَجْدُ الدِّينِ ابْنُ الخَطِيبِ وَغَيْرُهُ كَذِبٌ مُفْتَرًى لمْ يُقَلْ ذَلكَ أَحْمَدُ