فهرس الكتاب
وَهَذِهِ الأَلْفَاظُ عِبَارَةٌ عَنْهُ وَلا يُسَمِّيهَا حِكَايَةً وَهِيَ خَلْقٌ مِن المَخْلُوقَاتِ وَعَنْهُ لمْ يَتَكَلَّمِ اللَّهُ بِهَذَا الكَلامِ العَرَبِيِّ وَلا سُمِعَ مِن اللَّهِ، وَعِنْدَهُ ذَلكَ المَعْنَى سُمِعَ مِن اللَّهِ حَقِيقَةً.
وَهَذَا المَذْهَبُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَسْأَلَةِ إِنْكَارِ قِيَامِ الأَفْعَالِ الاخْتِيَارِيَّةِ بِالرَّبِّ تَعَالَى وَيُسَمُّونَهَا حُلُولَ الحَوَادِثِ، وَحَقِيقَتُهَا إِنْكَارُ أَفْعَالهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ. قَوْلُهُ (( وَلَيْسَ كَلامُ اللَّهِ الحُرُوفَ دُونَ المَعَانِي ) )أَيْ كَمَا يَقُولُ ذَلكَ المُعْتَزِلَةُ وَطَائِفَةٌ مِن أَهْلِ الكَلامِ الذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ مُسَمَّى القَوْلِ وَالكَلامِ عِنْدَ الإِطْلاقِ اسْمٌ للَّفْظِ فَقَطْ وَالمَعْنَى ليْسَ جُزْءَ مُسَمَّاهُ، بَلْ هُوَ مَدْلُولُ مُسَمَّاهُ. وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِن المُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ. (( وَلا المَعَانِي دُونَ الحُرُوفِ ) )كَمَا هُوَ قَوْلُ مَن يَقُولُ: بِأَنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ قَدِيمٌ قَائِمٌ بِذَاتِ اللَّهِ هُوَ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالخَبَرُ وَالاسْتِخْبَارُ إِنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالعَرَبِيَّةِ كَانَ قرآنًا وَإِنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالعِبْرَانِيَّةِ كَانَ تَوْرَاةً وَهَذَا قَوْلُ ابْن كُلابٍ وَمَن وَافَقَهُ كَالأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ فَأَشَارَ المُؤَلِّفُ فِي عِبَارَتِهِ هَذِهِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَن يَقُولُ إِنَّهُ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ أَزَليَّةٌ مُجْتَمِعَةٌ فِي الأَزَلِ. وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِن أَهْلِ الكَلامِ وَأَهْلِ الحَدِيثِ ذَكَرَهُ الأَشْعَرِيُّ فِي المَقَالاتِ عَن طَائِفَةٍ. وَهُوَ الذي يُذْكُرُ عَن السَّالمِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ وَكَذَلكَ أَشَارَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى الكُلاَبِيَّةِ وَالأَشْعَرِيَّةِ.
فَإِنَّ أَوَّلَ مَن عُرِفَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ قَدِيمٌ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ ثُمَّ افْتَرَقَ الذين شَارَكُوهُ فِي هَذَا القَوْلِ فَمِنْهُمْ مَن قَالَ: الكَلامُ مَعْنًى وَاحِدٌ قَائِمٌ بِذَاتِ الرَّبِّ وَمَعْنَى القُرْآنِ كُلِّهِ وَالتَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَسَائِرِ كُتُبِ اللَّهِ وَكَلامِهِ هُوَ ذَلكَ المَعْنَى الوَاحِدُ الذي لا يَتَعَدَّدُ وَلا يتبَعَّضُ، وَالقُرْآنُ العَرَبِيُّ لمْ يَتَكَلَّمِ اللَّهُ بِهِ بَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ. وَقَالَ جُمْهُورُ العُقَلاءِ: هَذَا القَوْلُ مَعْلُومُ الفَسَادِ بالاضْطِرارِ فَإِنَّهُ مِن المَعْلُومِ بِصَرِيحِ العَقْلِ أَنَّ مَعْنَى آيَةِ الكُرْسِيِّ ليْسَ مَعْنَى آيَةِ الدَّيْنِ وَلا مَعْنَى {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} مَعْنَى {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لهَبٍ} فَكَيْفَ بِمَعَانِي كَلامِ اللَّهِ كُلِّهِ فِي الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ وَخِطَابِهِ لمَلائِكَتِهِ وَحِسَابِهِ لعِبَادِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَغَيْرِ ذَلكَ مِن كَلامِهِ؟ وَمِنْهُمْ مَن قَالَ: هُوَ حُرُوفٌ أَوْ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ قَدِيمَةٌ أَزَليَّةٌ لازِمَةٌ لذَاتِهِ لمْ يَزَلْ وَلا يَزَالُ مَوْصُوفًا بِهَا.
وَكِلاَ الحِزْبَيْنِ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَأَنَّهُ لمْ يَزَلْ وَلا يَزَالُ يَقُولُ: يَا نُوحُ يَا إِبْرَاهِيمُ يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ. وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِن السَّلَفِ بِهَذَيْنِ القَوْلَيْنِ. وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِن السَّلَفِ: إِنَّ هَذَا القُرْآنَ عِبَارَةٌ عَن كَلامِ اللَّهِ وَلا حِكَايَةٌ لهُ، وَلا قَالَ أَحَدٌ مِنْهُمْ: إِنَّ لفْظِي بِالقُرْآنِ قَدِيمٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَضْلًا عَن أَنْ يَقُولَ: إِنَّ صَوْتِي بِهِ قَدِيمٌ أَوْ غَيْرٌ مَخْلُوقٍ بَلْ كَانُوا يَقُولُونَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِن أَنَّ هَذَا القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ وَالنَّاسُ يَقْرَءُونَهُ بِأَصْوَاتِهِمْ وَيَكْتُبُونَهُ بِمِدَادِهِمْ وَمَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ كَلامُ اللَّهِ وَكَلامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَقَوْلُهُ: {وَإِنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِهِ حَقِيقَةً} فِي قَوْلهِ: {حَقِيقَةً} رَدٌّ عَلَى مَن قَالَ: إِنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ قَامَ بِذَاتِ اللَّهِ لمْ يُسْمَعْ مِنْهُ وَإِنَّمَا هُوَ الكَلامُ النَّفْسَانِيُّ؛ لأَنَّهُ لا يُقَالُ لمَنْ قَامَ بِهِ الكَلامُ النَّفْسَانِيُّ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ: إنَّ هَذَا كَلامُ الحَقِيقَةِ , وَإِلا لزِمَ أَنْ يَكُونَ الأَخْرَسُ مُتَكلِّمًا، وَلَزِمَ أَنْ لا يَكُونَ الذي فِي الصُّحُفِ عِنْدَ الإِطْلاَقِ هُوَ القُرْآنَ وَلا كَلامَ اللَّهِ , وَلَكِنْ عِبَارَةٌ عَنْهُ ليْسَتْ هِيَ كَلامُ اللَّهِ كَمَا لوْ أَشَارَ أَخْرَسٌ إِلَى شَخْصٍ بِإِشَارَةٍ فَهِمَ بِهَا مَقْصُودَهَ فَكَتَبَ ذَلكَ الشَّخْصُ عِبَارَتَهُ عَن المَعْنَى الذي أَوْحَاهُ إِلَيْهِ ذَلكَ الأَخْرَسُ فَالمَكْتُوبُ هِيَ عِبَارَةُ ذَلكَ الشَّخْصِ عَن ذَلكَ المَعْنَى. وَهَذَا المَثَلُ مُطَابِقٌ غَايَةَ المُطَابَقَةِ لمَا يَقُولُونَهُ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى لا يُسَمِّيه أَحَدٌ أَخْرَسَ