فهرس الكتاب
لكِنْ عِنْدَهُمْ أَنَّ المَلَكَ فَهِمَ مِنْهُ مَعْنًى قائمًا بِنَفْسِهِ لمْ يَسْمَعْ مِنْهُ حَرْفًا وَلا صَوْتًا بَلْ فَهِمَ مَعْنًى مُجَرَّدًا ثُمَّ عَبَّرَ عَنْهُ فَهُوَ الذي أَحْدَثَ نَظْمَ القُرْآنِ وَتَأْليفَهُ العَرَبِيَّ وَأنَّ اللَّهَ خَلَقَ فِي بَعْضِ الأَجْسَامِ كَالهَوَاءِ الذي هُوَ دُونَ المَلَكِ هَذِهِ العِبَارَةَ، وَيُقَالُ لمَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ: هَلْ سَمِعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ جَمِيعَ المَعْنَى أَوْ بَعْضَهُ؟ فَإِنْ قَالَ: سَمِعَهُ كُلَّهُ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ سَمِعَ جَمِيعَ كَلامِ اللَّهِ، وَفَسَادُ هَذَا ظَاهِرٌ، وَإِنْ قَالَ: بَعْضَهُ فَقَدْ قَالَ بِتبَعُّضٍ. وَكَذَلكَ كُلُّ مَن كَلَّمَهُ اللَّهُ أَوْ أَنْزَلَ إِلَيْهِ شَيْئًا مِن كَلامِهِ. وَأَمَّا مَن قَالَ: إِنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ الأَخْطَلِ:
إِنَّ الكَلامَ لفِي الفُؤَادِ وَإِنَّمَا ... جُعِلَ اللسَانُ عَلَى الفُؤَادِ دَليلًا
فَاسْتِدْلالٌ فَاسِدٌ. وَلَوْ اسْتَدَلَّ مُسْتَدِلٌّ بِحَدِيثٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ لقَالُوا هَذَا خَبَرٌ وَاحِدٌ وَيَكُونُ مِمَّا اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى تَصْدِيقِهِ وَتَلَقِّيهِ بِالقَبُولِ وَالعَمَلِ بِهِ فَكَيْفَ وَهَذَا البَيْتُ قَدْ قِيلَ: إِنَّهُ مَوْضُوعٌ مَنْسُوبٌ إِلَى الأَخْطَلِ وَلَيْسَ هُوَ فِي دِيوَانِهِ وَقِيلَ إِنَّمَا قَالَ: إِنَّ البَيَانَ لفِي الفُؤَادِ , وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى الصِّحَّةِ وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ عَنْهُ فَلا يَجُوزُ الاسْتِدْلالُ بِهِ فَإِنَّ النَّصَارَى قَدْ ضَلُّوا فِي مَعْنَى الكَلامِ وَزَعَمُوا أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ نَفْسُ كَلمَةِ اللَّهِ وَاتَّحَدَ اللاهُوتُ بِالنَّاسُوتِ أَيْ: شَيْءٌ مِن الإِلَهِ بِشَيْءٍ مِن النَّاسِ. أَفَيُسْتَدَلُّ بِقَوْلِ نَصْرَانِيٍّ قَدْ ضَلَّ فِي مَعْنَى الكَلامِ عَلَى مَعْنَى الكَلامِ وَيُتْرَكُ مَا يُعْلَمُ مِن مَعْنَى الكَلامِ فِي لُغَةِ العَرَبِ. وَأيضًا فَمَعْنَاهُ غَيْرُ صَحِيحٍ إِذْ لازَمَهُ أَنَّ الأَخْرَسَ يُسَمَّى مُتَكلِّمًا لقِيَامِ كَلامِهِ بِقَلْبِهِ وَإِنْ لمْ يَنْطِقْ بِهِ وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ. وَيَرُدُّ قَوْلَ مَن قَالَ: إِنَّ الكَلامَ هُوَ المَعْنَى القَائِمُ بِالنَّفْسِ، قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ صَلاَتَنَا هَذِهِ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِن كَلامِ النَّاسِ". وَقَالَ:"إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِن أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لا تَكلَّمَوا فِي الصَّلاةِ".
وَاتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ المُصَلِّيَ إِذَا تَكَلَّمَ فِي الصَّلاةِ عَامِدًا لغَيْرِ مَصْلَحَتِهَا بَطَلَتْ صَلاتُهُ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَا يَقُومُ بِالقَلْبِ مِن تَصْدِيقٍ بِأُمُورٍ دُنْيَوِيَّةٍ وَطَلَبٍ لا يُبْطِلُ الصَّلاةَ وَإِنَّمَا يُبْطِلُهَا التَكلُّمُ بِذَلكَ، فَعُلِمَ اتِّفَاقُ المُسْلمِينَ عَلَى أَنَّ هَذَا ليْسَ بِكَلامٍ وأَيْضًا فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ مَا لمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ، فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ عَفَى عَن حَدِيثِ النَّفْسِ إِلا أَنْ تَتَكَلَّمَ، فَفَرْقٌ بَيْنَ حَدِيثِ النَّفْسِ وَبَيْنَ الكَلامِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لا يُؤَاخَذُ بِهِ حَتَّى تَتَكَلَّمَ بِهِ وَالمُرَادُ حَتَّى يَنْطِقَ بِهِ اللسَانُ بِاتِّفَاقِ العُلَمَاءِ، فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا هُوَ الكَلامُ فِي اللُّغَةِ؛ لأَنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا خَاطَبَنَا بِلُغَةِ العَرَبِ. وأيضًا فِي السُّنَنِ أَنَّ مُعاذًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ"وَإِنَّا لمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ". فَبَيَّنَ أَنَّ الكَلامَ إِنَّمَا هُوَ بِاللِّسَانِ فَلَفْظُ القَوْلِ وَالكَلامِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُمَا مِن فِعْلٍ مَاضٍ وَمُضَارِعٍ وَأَمْرٍ وَاسْمِ فَاعِلٍ إِنَّمَا يُعْرَفُ فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَسَائِرِ كَلامِ العَرَبِ إِذَا كَانَ لفظًا وَمَعْنًى. وَلَمْ يَكُنْ فِي مُسَمَّى الكَلامِ نِزَاعٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لهُمْ بِإِحْسَانٍ وَإِنَّمَا حَصَلَ النِّزَاعُ بَيْنَ المُتَأَخِّرِينَ مِن عُلَمَاءِ أَهْلِ البِدَعِ ثُمَّ انْتَشَرَ. وَلا رَيْبَ أَنَّ مُسَمَّى الكلامِ والقولِ ونَحوِهما ليسَ هو مِمَا يُحتاجُ فيه إلَى قولِ شاعرٍ فإنَّ هذا مِمَّا تَكَلَّمَ بِهِ الأَوَّلُونَ وَالآخِرُونَ مِن أَهْلِ اللُّغَةِ وَعَرَفُوا مَعْنَاهُ كَمَا عَرَفُوا مُسَمَّى الرَّأْسِ وَاليَدِ وَالرِّجْلِ وَنَحْوَ ذَلكَ"